حتى يكون رمضان شاهداً لنا لا علينا
كما تكر حبات المسبحة.. ها هي الأيام.. تدور في سرعة مذهلة.. اليوم يسلمنا للذي بعده والأسبوع للأسبوع والشهر لشهر آخر.. حتى وجدنا أنفسنا فجأة.. أمام هذا الوافد العظيم الكريم.. الذي غطى الكون بساحات من النور والضياء والبركة.. وكأنما هو حدث بل هو حدث له مفعوله.. في إحداث نقلة موضوعية.. تنتشل الإنسانية من أعماقها.. ولا أحد ولا كائن من الكائنات لديه القدرة لأن يرقى إلى هذا المستوى من الإِثارة المباشرة في قلب موازين الحياة وتغيير أنماط السلوك الإنساني.. فقط هو رمضان سيد الشهور ومن يمتلك تلك الخواص.. رابع أركان الإسلام.. وقد قال رب العزة (الصوم لي وأنا أجزي به) وهي خصوصية.. تجعله يتيه فخراً على كل الشهور.. وسبحان رب رمضان.. رب كل شيء ومليكه.. كل النفوس تمارس التوق والحنين.. لهذا الشهر لتستحم في بحيرته النورانية وتغتسل من أدرانها وما ران عليها خلال أحد عشر شهراً.. رمضان عفواً.. وأنت الذي قد واكبت عوالم وأعلاماً وأمما تتلوها أمم.. ويندثر تاريخ ويحيا تاريخ.. ورمضان خالد على الدوام.. لا يحول ولا يزول.. بكل معطيات الخير والبر التي تأتي معه.. ولكنك يا رمضان في هذه الأيام سوف ترى.. وأقول عفواً فلا الإنسان هو الإنسان الذي واكبت مسيرته منذ أزمان ولا الحياة هي الحياة بل سنة التبديل طغت وتخثرت الدماء في أوصال الأيام فلم تعد الأيام هي الأيام ولا الليالي هي الليالي.. لكن في عرف الواقع لقد حصل انقلاب وليته نحو الأفضل.. عفوا رمضان.. وأنت الشاهد الأزلي فقد تبدلت النفوس وتغيرت الأحوال فلم يعد الأخ هو الأخ.. ولم يعد الولد هو الولد.. عفواَ رمضان وعياذاً بالله فقد تحول الإنسان إلى شيء أشبه بالمادي.. غارت في أعماقه شيم الإنسانية ومروءات المؤمنين.. وغرق.. في بحر ولجة أمواج عاتية.. جاءته من فوقه ومن تحت أرجله.. ظلمات بعضها فوق بعض.. حتى إذا أخرج يده لم يكد يراها وصدق الله العظيم (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) عفواً رمضان لقد تهافت الأشقياء على وسخ الدنيا وأوضار المادة وضرب التصدع بيوتاً كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان وعياذا بالله.. لا أقول ولا أتمنى أن أقول.. فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف.. وإن كان هذا قول القرآن الكريم في أقوام سكنوا مكة من قبل.. عفواً رمضان.. لقد ضربت الفرقة والانقسامات صميم الأسر العريقة فتهاوت قصور وقصور وذهبت كل جهود الآباء الطيبين وما بنوه من أمجاد.. نتيجة للكد والعرق حتى آلت التركة الكبيرة والعظيمة إلى ورثة ليسوا أهلاً لها ووقعوا ضحية الأطماع المادية.. وسيطر منطق الغاب وكأنما هم وحوش الحياة وأصبحت الثروة لعنة ووبالاً على أسر عديدة.. عفوا رمضان فهذه القيم والمبادئ الأخلاقية التي بعث بها سيد الأكوان من جاء متمماً لمحاسن الأخلاق.. لقد تفشى سرطان المادة وغابت تلك القيم والمثل التي تعرفها يا رمضان كل ذلك يأتي ولا حول ولا قوة إلا بالله لجفاف ينابيع الرحمة.. عفوا رمضان وحنانيك رب رمضان وربنا فنفحة كريمة منك يا رب رمضان وربنا.. نفحة سماوية علها تعيد لهذه النفوس الصدئة العودة إلى الجذور مع صحوة إيمانية تدرك معها أن ما من دابة في الأرض ولا في السماء إلا وعلى الله رزقها وتؤمن بقسم الرب العظيم (وفي السماء رزقكم وما توعدون.. فورب السماء إنه لحق مثلما أنكم تنطقون) فأي ضمانة أكبر وأسمى من هذه الضمانة.. عفواً رمضان وعفوك رب رمضان واللهم إيماناً كإيمان العجائز ورحمك الله يا ابن الخطاب ورضي عنك وأرضاك وحسبي الله ونعم الوكيل.
ali@alrabghigroup.net