عبدالله حسن العبدالباقي
عادات «رمضانية»!
مع بداية هذا الشهر الكريم، أعاده الله علينا وعلى العالم أجمع والناس أكثر أمناً واستقراراً وتطوراً ومعرفة، يصبح الحديث عن هذه العبادة السنوية أمراً له علاقة بطبيعة هذه العبادة من ناحية، وبطبيعة عاداتنا المصاحبة لهذا الشهر من ناحية أخرى.. فالصوم كما هو معروف، ليس مجرد الجوع والعطش، في فترة من فترات اليوم، لكنه قبل ذلك تعبير عن صلة بين الانسان وربه، وصلة بين الانسان وذاته، وأخرى بينه وبين الآخرين والكون من حوله. إنه القدرة على التعامل والتحكم في الذات وعدم تلبية كافة رغباتها بهدف تهذيبها وملاحظة كافة التصرفات والسلوك تجاه الذات وتجاه الاخرين، إنه عندما يعبر عن قناعة إيمانية يشكل أحد بواعث الهدوء النفسي والمعايشة الإيمانية المتسامحة والقادرة على تقبل الآخرين وغفران خطاياهم والبدء بصفحة جديدة من العلاقات الانسانية، إنه القدرة على ضبط الانفعالات والتفكير قبل الاقدام على السلوك، إنه شهر الرحمة التي يجب أن تتجسد سلوكاً في الصائم تجاه ذاته وعائلته وجيرانه ومجتمعه الكبير، شهر الشعور بالغير، خصوصاً أولئك الجائعين والفقراء وذوي الدخل المحدود الذين يعانون طوال العام، شهر المراجعة النقدية البناءة للذات في سنة مضت وعلاقتها بالحق والعدل في مدى القرب والبعد عن القيم أثناء الممارسة اليومية، إنه شهر الصبر والسكينة والتحمّل، تلك الصفات التي بتشربها يتهذب الانسان سنة بعد أخرى. هذا كله الصورة « المثالية « المرتجاه والمبتغاه من الصوم كمقصد للشريعة وكعبادة، لكن ما هو كائن في واقع حياتنا اليومية لا يمت بصلة بكل ذلك لشديد الأسف، حيث تحوّل «رمضان» إلى مجرد الاحتفال السنوي للعادة ذات المواصفات والطعم والأجواء الاجتماعية التي تبعث على الاحساس بالتغيير في مجرى الحياة العامة، بدون ربطه بصلته النفسية والسلوكية للأفراد التي يجسدها معنى الصوم. نظرة سريعة على عاداتنا الرمضانية تبرز مدى الفجوة بين المرتجى والمتحقق، ولنتمعن في عاداتنا التالية:
- انخفاض الانتاج، إن لم يكن توقفه لبعض الأحيان، على مستوى وطن كامل، بحيث لو حسب الدخل القومي الناتج عن العمل، فسيكون شهر رمضان في أسفل القائمة، فالمصالح الحكومية تصبح شبه معطلة، والتأخر عن الدوام يصبح سهلاً ومبرراً، واللا مبالاة، بل واللا وعي واللاّ تركيز يتحوّل إلى سمة من سمات الموظف الحكومي الذي يمثل أكثر من 80% من اليد العاملة الوطنية، باختصار يقترن رمضان بالكسل والتوقف عن الانتاج تحت حجة الصوم.
- الاسراف والتبذير في كل أنواع المصروفات، بحيث يصبح مصروف الأسر في رمضان يعادل صرفها لشهرين أو أكثر من بقية أشهر العام، وذلك لا يقتصر على المواد الغذائية التي يتم المبالغة في شرائها وتحضيرها وكأن الناس في مجاعة أو مقبلين على حرب عليهم الاستعداد وأخذ الاحتياطات لها، بل إن ذلك تشمل كافة المشتروات فيتحوّل شهر الرحمة إلى شهر تسوّق واستهلاك لا محدود وهنا تأتي المفارقة، مجتمع لا ينتج لشهر كامل ويستهلك أضعاف ما يحتاجه من ناحية أخرى وكلاهما خسارة للوطن والاقتصاد وللمجتمع وللفرد.
- سرعة الانفعال، وعدم التحمل على عكس ما يجب أن يخلقه رمضان في النفس من هدوء، فالمجتمع كله أثناء النهار يتحول إلى حالة طوارئ، فالمجتمع في حالة انفعال واضطراب، وسائقي السيارات تبرز مواهبهم الجنونية، حيث تزايد السرعة وتزايد الحوادث وبالذات قبيل الإفطار.
- زيادة السهر وتحوّل الليل إلى نهار “ في مجال التسوق “ وتحول النهار إلى ليل، بالذات للطلاب سواء كانوا في دراستهم أو في عطلتهم الصيفية، الأمر الذي ينعكس على الأسر والآباء والأمهات وخصوصاً مع وجود وجبة «السحور» التي تتحوّل عند البعض إلى أكل متواصل طوال الليل وكأنه انتقام من الأكل ومن الذات، وبالتالي تزداد الأمراض المقترنة بالضرورة بالتخمه والأكل قبل النوم مباشرة وتزداد السمنة والترهل وتنتفخ الكروش بدل أن يصبح الصوم راحة للمعدة وراحة للعقل وللنفس.
- زيادة الاستغلال والجشع التجاري، فيصبح رمضان موسم البيع والتصريف لكافة المواد، وتتفنن الأسواق في اجتذاب واصطياد المستهلكين وتزداد ممارسة الكذب والتدليس والغش من أجل تراكم الارباح، مع العلم أن تجّارنا مسلمون وهذا الشهر هو شهر الرحمة والشفقة والاحساس بالاخرين.
- زيادة استهلاك كل أنواع الطاقة، فالمياه تستخدم بطريقة تفوق كل الأشهر، حيث الطبخ والنفخ المتواصل، وكذلك الكهرباء المستخدمة طوال اليوم وغاز الطبخ، هذا بالإضافة إلى الطاقة البشرية المهدرة .
- الحالة العصبية التي تنتاب المدخنين الذين يسمحون لأنفسهم بالانفعال والاعتداء اللفظي إن لم يكن الجسمي على الآخرين تحت حجة التوقف عن التدخين أثناء النهار، مع العلم أن شهر الصوم يعد فرصة سانحة وحقيقية من أجل التوقف عن هذه العادة السيئة والبدء بعام مختلف خال من التدخين، الممارس عكس ذلك يزداد الاستهلاك للتدخين ويتم الانتقام في الليل من الذات قبل أي شيء آخر عبر الشراهة في التدخين.
- التخمة في انتاج المسلسلات التلفزيونية التي تحيّر الناس في الاختيار نتيجة الكثرة التي لا تتلاءم ولا تتواءم مع شهر يجب أن يمارس فيه العمل والانتاج والعطاء والخير، لا مجرد التسمّر أمام شاشات التلفزيون لمتابعة مسلسل تلو آخر، والهدف من هذا التركيز، هو زيادة الحملات الإعلانية والدعائية لبقية البضائع، وبذا يتحوّل رمضان إلى شهر التفرغ للمسلسلات الرمضانية التي ليس من الخطأ متابعة بعضها، وخصوصاً تلك التي تبعث رسائل اجتماعية وفكرية معاصرة، إلا أن الحشد الهائل من المسلسلات يحوّلها إلى حالة مرضية تؤجل وتباعد كل ما عداها مهما كانت المهمات. تلك هي بعض عاداتنا وممارساتنا المقرونة بهذا الشهر الفضيل، ترى هل هكذا عادات وتصرفات تنتمي لشهر الصوم؟ إنه سؤال علينا أن نطرحه بجديّة من أجل إصلاح شؤوننا في كل المجالات وتغيير العادات المرضية التي لا تنتمي لمعنى وسمو العبادة من ناحية، وتجعل من وطننا يخسر المليارات كل عام من ناحية آخرى، وذاك ما لايجب السماح به من أجل وطن يحلم بتنمية مستدامة ومنافسة مع الغير، وتطور وارتباط بالقيم السامية التي يفترض أن ينتجها شهر رمضان الكريم.
abumasar@hotmail.com