شايع بن هذال الوقيان
هلوسات فكرية
نظرية المؤامرة أصبحت مؤخرا من النظريات التي يدينها الجميع. حتى المؤمنون بها صاروا يدينونها خجلا وخوفا من اتهامهم بتهمٍ كالتخلف والرجعية وغيرها.
المؤامرة في الواقع موجودة ولكن على نطاق «أضيق» مما يتصوره بعض المهووسين بها. فما يهذي به هؤلاء أن الأمة ككل تتعرض لمؤامرات وتدبيرات سرية للنيل منها. وهذا برأيي هذيان لا قيمة له. أجل. قد يتآمر فلان على فلان، أو فئة معينة على فئة أخرى.. ولكن أن تتآمر أمة على أمة أو شعب على شعب فهو ضرب من الهلوسة الفكرية.
على مدى عقود مضت سمعنا مرارا وتكرارا مثل هذه الهلوسات الفكرية التي جادت بها عقلية الإيديولوجيا العربية الشمولية على تنوعها؛ من قومية وناصرية ويسارية وغيرها. وتمت تعبئة الشعوب العربية وزرع الخوف في نفوس الناس والكره في قلوبهم ضد كل «آخر» يختلف مع هذه الإيديولوجية أو تلك! وهذه السياسة؛ سياسة التعبئة والتجييش استراتيجية قديمة ومعروفة ولا تمر مرور الكرام على ذوي الألباب ممن يتلقون الأفكار والآراء والمعلومات بشيء من الحذر والنقد والتريث.
وهي استراتيجية تهدف قبل كل شيء إلى وضع الشعوب في هيئة التربص والتحفز لرفض كل جديد وكل متطور ولتكريس السائد الذي تدافع عنه هذه الاستراتيجية. بل ولجعل الشعوب تظل في حاجة مستمرة إلى الوصاية والحماية. صحيح أن نظرية المؤامرة تشيع أكثر ما تشيع في مجال السياسة والصراعات الأيديولوجية.. ولكنها –عربياً– تتسع لتشمل كل المجالات. فسمعنا عن مؤامرة علمية و أخلاقية وأدبية وقيمية. بل ومؤامرة فضائية «فلكية»؛ إذ قرأت ذات مرة كتابا يعتبر دعوى وصول الإنسان إلى القمر مؤامرة يراد بها التشكيك في عقيدة المسلم! وهذه هلوسة فكرية متطرفة جدا. لو تمعنا قليلا في نظرية المؤامرة ودوافع الإيمان بها لوجدنا أن هناك سببا جوهريا ليس هو السبب المعلن. فالسبب المعلن لنظرية المؤامرة هو الحذر منها ومحاولة التصدي لها والتفطن للخطط التي يحيكها الأعداء سرا ضد كل ما هو عربي ومسلم.. وهو سبب وجيه لو كان حقيقيا. ولكنه مجرد هلوسة كما قلنا.. وأما السبب الحقيقي لترويج نظرية المؤامرة هو إشاعة جو من الخوف والحذر.
نعم. فالتيارات التي تطلق الإشاعات و تحث الناس على التصديق بوجود مؤامرة تحاك ضد الأمة أو ضد الوطن أو ضد الدين هي تيارات شعرت بدنو أجلها وبتفرق الناس عنها أو إهمالهم لها. إنها تيارات تنهض على استغلال هذه القيم العليا (الأمة، الوطن، الدين، الأخلاق..الخ) لصالحها، وتجتهد في سبيل إقرار سلطتها عن طريق احتكار الفهم والتأويل والدفاع عن هذه القيم أو تلك، وكأنها الوحيدة التي يحق لها ذلك!
فهذا التيار القومي – مثلا – يدعي ويزعم أنه الوحيد الذي يهمه الدفاع عن الأمة العربية واللغة العربية والاستقلال العربي. ومن يختلف معه فإنه متآمر؛ خائن، عميل، متصهين... وغيرها من التهم الجاهزة التي يرمون بها المخالفين لهم من العرب الذين لا يقلون عنهم غيرة على العروبة وحباً لها.
وهذا التيار الاشتراكي يزعم أنه الوحيد المسؤول عن الكادحين والفقراء وعن العدالة الاجتماعية ودحر المد الرأسمالي الجشع والإقطاع.. ومن يختلف مع هذا التيار يصبح متآمرا؛ إمبرياليا، برجوازيا، متأمركاً... وغيرها من التهم الجاهزة التي يرمون بها المخالفين لهم حتى ولو كانوا أحرصَ الناسِ على العدالة وعلى مساعدة الفقراء وضمان التوزيع العادل للثروات.
وهذا التيار المتشدد يزعم أنه الوحيد الذي يحق له فهم نصوص الدين والدفاع عن العقيدة، ومن يخرج عن تأويلاته وشروحه وتفسيراته يصبح خارج الدين بالكلية ويصبح متآمرا على الأمة؛ متواطئا مع «أعدائها»، منحرفا، كافرا... وغيرها من التهم الجاهزة التي يطلقونها على المخالفين لتفسيراتهم ورؤاهم حتى ولو كان هؤلاء المخالفون من أشد الناس تمسكا بالعقيدة وحباً لها.
وللحق فإن هذه الآفة؛ آفة اتهام الآخرين ورميهم في عروبتهم وعقيدتهم ووطنيتهم هي مقتصرة على الأحزاب والتيارات الأيديولوجية التي لها مطامع سياسية وسلطوية.. ففي المقابل هناك قوميون ويساريون وغيرهم على درجة كبيرة من الوعي والثقة بالنفس بحيث تمنعهم من حصر القيم العليا في أشخاصهم أو في تياراتهم. فيعترفون للآخرين بحقهم في المشاركة في تأدية الدور المناط بهم من نشر للمعرفة وللوعي، وبحقهم في التعبير عن أفكارهم ورؤاهم مهما كانت مخالفة لهم.
وهذه الروح المتسامحة والرزينة تمنع من إطلاق التهم الجاهزة ومن ممارسة النفي والإقصاء بحق الغير. ولهذا تخلو «خطاباتهم» من عبارات التخوين والتفسيق والتكفير، هذه التهم التي يقول عنها المفكر الإنساني «فولتير» (إنها آخر حيلة للمفترين). وفي واقع الأمر فإنها أصبحت، في عالمنا العربي، الوسيلة الأولى المفضلة!
ولكن، للأسف، هذه الروح المتسامحة التي يتحلى بها هؤلاء المفكرون والعلماء والأدباء والدعاة نادرة في أوطاننا العربية وليس لها حظوة وقبول عند عامة الشعوب.
فهل الشعوب «مفطورة» –إن صح التعبير– على اتباع الأفكار المتطرفة وعلى التصديق الأعمى بهذه الهلوسات الفكرية التي تنشر الخوف والتوجس والكراهية والتعصب بين الناس ؟!
إن الشعوب، في هذه الحالة، مثل الأفراد.. فالفرد الذي يتربى ويتشبع بقيم التسامح يكون متسامحا، والعكس صحيح.
والشعوب العربية تشبَّعتْ، على مدى تاريخها المعاصر، بنظرية المؤامرة وبأفكار الخوف من الآخر منذ مطلع عصر النهضة، ولكنها مع مرور الزمن أصبحت أفكارا بالغة التطرف.
كان الخوف من الآخر (الذي يمثله الوجه الاستعماري الغربي) مبررا، ولكن الأحزاب السياسية والتيارات الاجتماعية والدينية استغلت هذا الخوف ونفخت فيه حتى أصبح «نظرية مؤامرة عامة ومزمنة» يعاني منها الوجدان العربي إلى يومنا هذا.
لو جاء اليوم الذي تقتنع فيه الشعوب العربية بأن العروبة والدين واللغة والتراث ليست حكراً على تيار من التيارات، وأنها ملك للأمة العربية قاطبة ولتاريخها فسوف تنتهي نظرية المؤامرة التي لا تزال تسكن عقول الكثيرين، وسوف تنتهي معها قائمة النفي والإقصاء التي مارستها العقلية الأيديولوجية لزمن طويل؛ هذه القائمة التي تسوغها الأوهام والهلوسات الفكرية المجافية للواقع.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 118 مسافة ثم الرسالة