أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
نهاية وعد بوش ومأزق السياسة العربية
مع نهاية هذا العام سيتبخر حلم الساسة العرب بإنشاء دولتين في فلسطين، إحداهما عربية، والأخرى يهودية، وسيدفن وعد (بوش) بإقامة هاتين الدولتين، إلى أمد بعيد قادم. ولن يكون لوعد بوش أثر تاريخي كبير، مثلما كان عليه الحال مع وعد بلفور. وربما يتساءل الكثيرون لماذا لم، ولن يتحقق وعد بوش، مثلما تحقق وعد بلفور من قبل. وربما سيجد القارئ أن الظروف التاريخية، والدوافع التي دفعت بكلا الوعدين قد اختلفت اختلافاً كبيراً.
فوعد بلفور كان قد أصدر لحل مشكلة داخلية بريطانية وأوروبية لإيجاد حل لأقلّية يهودية كانت تشكل بعض الإزعاج للقادة والساسة الأوروبيين مع بداية القرن الماضي، وأرادوا أن يصدروا مثل ذلك الوعد لحل المشكلة الأوروبية، وليس بالضرورة المشكلة اليهودية نفسها، لأن إقصاء الأقلية اليهودية كان يمكن أن يفسح المجال للساسة الأوروبيين لجعل القارة أكثر تجانساً من ناحية دينية، وربما أيضاً من ناحية عرقية. ولقد أرادوا بإنشاء الوطن اليهودي أن يتخلصوا اجتماعيا وسياسياً من عبء أقلية عرقية صاعدة في المجال العلمي والثقافي وتمثل تحدياً للأكثرية الأوروبية. لقد كانت المشكلة إذاً داخلية في المقام الأول، ووضعت حلولاً في المجال الخارجي للتخلص من الإشكال الداخلي.
ولقد ساعدت ظروف الحرب العالمية الثانية لتحريك هذه الأقلية فعلياً وجغرافياً من القارة العجوز، وبأعداد غفيرة، إلى فلسطين لتحقيق الحلم الصهيوني، أو إلى القارة الجديدة في الولايات المتحدة وكندا بالنسبة للطبقات الغنية من هذه الأقلية. وتقلصت نتيجة لهذا أعداد الأقلية اليهودية في معظم البلدان الأوروبية.
من ناحية ثانية، فإن وعد بوش، لم يأت لحل مشكلة داخلية أمريكية، بل جاء لحل مشكلة خارجية بحل دبلوماسي خارجي أيضاً. وهذا يعني وكأنما الشؤون الخارجية تحاول أن تحل بعضها البعض، أو على الأقل أن تبدو كذلك. فوعد بوش بإقامة الدولتين جاء لحل مشكلة عدم دعم الدول العربية لغزو الولايات المتحدة للعراق، ولحربها ضد الجماعات الإسلامية. وكان يجب على إدارته تهدئة الأوضاع المضطربة في المنطقة، والتي ربما ستضطرب بصورة أشد، إن هو أقدم على غزو إيران، بمحاولة تهدئة الجبهة الداخلية العربية بطرح مشروع الدولتين. ولذلك فإن نجاح المشروع من عدمه ليس هو الأهم، بل المهم هو الطرح لأنه يظهر الإدارة الأمريكية في المنطقة بأنها إدارة تسعى إلى السلم في أجزاء من الوطن العربي (القضية المصيرية) حتى وإن أوغلت في الحرب والاجتياح في أماكن أخرى من عالمنا العربي، أو الإسلامي.
وإذا كان الساسة الفلسطينيون والعرب يشعرون بالفعل بأن وعد بوش لن يتحقق، بفعل الممارسات الإسرائيلية وسياسة الاستيطان فلماذا يتعلق هؤلاء الساسة بمثل هذا الحلم، والجواب بكل تأكيد بأنه لا توجد بدائل حقيقية أمام هؤلاء الساسة، فكل الأبواب تبدو شبه موصدة. فقد حّرم هؤلاء الساسة على أنفسهم التلويح بالحل العسكري، واستبعدوا جميع هذه البدائل، ووضعوا الحل الدبلوماسي كحل وحيد يؤمنون به، والذي وإن تحقق فلن يكون قادراً على تلبية الحدود الدنيا من المطالب العربية، لأن ميزان القوى الإقليمي، وإن بدا أن القوة وحدها لا يمكن أن تصنع النظام السياسي الإقليمي المطلوب، فإن هذا الميزان متى ما طبق على أي مفاوضات فسينتج عنه حلول ضعيفة وهشة وغير قابلة للتنفيذ.
ولطالما حلمنا بأن الضغط الصهيوني في الولايات المتحدة سيقابله ضغط مقابل آخر، وسيكون هذا الأخير، سواء كان أوروبياً أو من شركات متعددة الجنسيات ذات مصالح اقتصادية في بلداننا، سيكون لصالحنا، وسيوازي الضغط الصهيوني ويقلل من تأثيره على الساسة الأمريكيين.
ولقد اقترف الكثيرون منا مثل هذه الأحلام، حين جاء كلنتون إلى السلطة فكانوا يرونه بأنه سيحرر أمريكا من ربقة الضغط الصهيوني وسيجعل الولايات المتحدة تنظر إلى مصالحها في المنطقة، وتتبنى سياسة عربية أكثر. وحينما ظهر في الأفق المرشح الديموقراطي (باراك أوباما) صفقنا له كثيراً، وشعرنا أن هذا المهاجر الإفريقي الأصل، المسلم النبتة سيكون أكثر فهماً لآلامنا وطموحاتنا ورؤانا. ولكن الرجل ظهر كسياسي بحت يبحث عن دعم داخلي يوصله إلى سدة البيت الأبيض، فدخل إلى إسرائيل، وحج إلى حائط المبكى، وأعطى كل الشرعية للوجود الإسرائيلي الأبدي في القدس. لقد كان يريد أن يبدو وكأنه أكثر إسرائيلية من الإسرائيليين أنفسهم، لأنه يريد كسب أصوات ستة ملايين يهودي أمريكي، وأموالهم وتبرعاتهم، ونفوذهم الكاسح في الحزب الديمقراطي.
لقد غاب عنا لفترة طويلة أن السياسة تصنع من الواقع ومن القدرة على تغيير هذا الواقع بشكل تدريجي مبرمج. فالمستقبل لا يصنع نفسه، بل يصنعه البشر، وقادتهم. وقبل أن نحلم برؤية بوش ووعده، دعونا نحقق رؤيتنا ونعمل على تحقيق وعودنا.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 119 مسافة ثم الرسالة