تشوه المشهد الحضاري.. وتخدش الحياء
«الجداريات».. تعبير عن مشاعر مكتومة أم عبث طفولي؟
عبدالرحمن القرني - عسير
كتابات ورسومات على الجدران والحوائط والمرافق العامة تشوه المشهد الحضاري وتخدش الحياء في معظمها. لماذا يعمد بعض الشباب والمراهقين لهذا الفعل غير الحضاري؟.. وما الذي يريدون قوله والتعبير عنه من تلك الكتابات؟.. وهل تعبر هذه الشخبطات عن مشاعر مكبوته لديهم تجد الطريق التى تفريغها عبرها؟.. وماذا يقول علماء النفس والاجتماع في تفسيرهم لهذه الظاهرة؟..
بداية يتحدث الشباب انفسهم عن الظاهرة ثم رأي المختصين حولها..
فائز المنتشري قال انه يجد في هذه الكتابات نوعا من التسلية وتسجيل الذكريات.
بحث عن الشهرة
اما الشاب منفور علي الحارثي فانه يبحث عن الشهرة في ارجاء الحي بالكتابة على الجدران ويقول انني احقق بذلك شهرة ذاتية.
حب في المطاردة
وأغرب التفسيرات والاسباب جاءت على لسان الشاب عائض مصلح الشمراني «14 عاما» الذي قال انني افعل ذلك لكي يرتاح قلبي ويغضب صاحب المنزل وأولاده ويقومون بمطاردتي وأنا اشعر بالسعادة بذلك وترتفع أسهمي عند الاصدقاء وأزداد مكانة بينهم.
والسبب عند الشاب ضيف الله العمري «13 سنة» غامض وغير مفهوم يقول ان هناك شيئا في رأسي احب ان انفذه وأعبر عنه بالكتابة والرسم وبعد ذلك أشعر بالارتياح والانسجام انا واصدقائي.
كسر الرتابة
المحروم كما رمز الى اسمه بذلك دائما ما يشعر بالسأم والملالة لرتابة الحياة التي يعيشها وزملاؤه فلا يجد ما يفعله سوى كتابة اسمه في كل مكان يصادفه وفي تفسيره لهذا العمل الطائش يقول المحروم.. اشعر بالطفش وعندما لا اجد شيئا افعله اقوم بكتابة اسمي في أي مكان يصادفني حتى يراه اصحابي فيعرفوني به وقد كتبت اسمي في عدة مدن كأغلى ذكرى عندما افارقها وكثيرا ما يخبرني اصدقائي بانهم قرأوا اسمي مكتوبا في هذه المدينة وتلك.
ذكرى
المجروح هكذا سمى نفسه لا يتفق مع زميله المحروم فيما ذهب اليه من ان الكتابة على الجدران انما تكون بهدف الذكرى غير انه في الوقت نفسه يرى ان الكتابة على الجدران انما تكون بدافع الانتقام من شخص في المدرسة او الاستاذ.
انتقام
يقول المجروح في تبرير هذا السلوك الخاطئ كثيرا ما نشعر بالاضطهاد من قبل بعض المدرسين في المدرسة الذين يصبون جام غضبهم على الطلاب لأتفه الاسباب وحيث اننا لا نستطيع عقابهم فالشيء الوحيد المتاح امامنا هو الانتقام منهم بالكتابة على الجدران حتى اذا اطلعوا على تلك الشخبطات ادركوا مدى الخطأ الذي وقعوا فيه لدى معاقبتهم الطلاب.
مخاوي الليل قال انه كثير الانتقام من زملائه بهذه الوسيلة فعن طريقها يستطيع فضحهم على ملأ من الناس الذين يطلعون على هذه الكتابات وقال ان الكتابة على الجدران تصل حد نشر ارقام الهواتف المنزلية والجوالات لاحداث بعض المشكلات العائلية اذن فالهدف من هذه الكتابات ان يرى الناس مانكتبه وان يتعرفوا على احاسيسنا ومشاعرنا نحوهم.
خراب بيوت
الهاجس يروي في السياق قصة أحد اصدقائه الذين يمارسون هذه الهوايه فقد حصل صديقه هذا على رقم هاتف احد الجيران فكتب الرقم والى جواره اسم الزوجة فما لبثت المسكينة ان انهالت عليها المكالمات من كل حدب وصوب مما اوقعها في مشكلة كبيرة من زوجها بينما كان ذلك الصديق يتابع تطورات القضية باستمتاع ظاهر.
ويقول آخر لعل الاحساس بالضياع هو احد الدوافع المهمة التي تدفع الشباب الى هذه الشخبطات او لفقدانهم الوسيلة التي يعبرون بها عن انفسهم فلا أحد يستمع اليهم او يتعرف عن كثب على همومهم وتطلعاتهم.
علقة ساخنة
ويعود الهاجس ليسجل في اعترافاته الكيفية التي تتم بها هذه الشخبطات يقول نحن مجموعة كبيرة ولكل منها صلاحيات ولا يحق لاي منا ان يشخبط على ما كتب زميله واذا حدث ذلك فهناك عدة طرق يتعرفون بواسطتها على من يتعدى على رموزهم وذكرياتهم فيعاقبونه بعلقة ساخنة لا يعود بعدها ابدا لذلك ونضيف اننا نضع اسماءنا ليتذكرنا بها الاحباب.
الكتابة ليلا
وعن أنسب الاوقات لكتابة هذه الشخبطات يصف عاشق الاحباب طريقتهم في الكتابة بانها أشبه ما تكون بالعمليات السريه فبينما يقوم البعض بالكتابة يقوم البعض الآخر بإكمال المراقبة والحراسة الى ان تنتهي المهمة في سلام وغالبا ما تتم الكتابة ليلا او في ساعة خلو الاماكن من المارة والسكان ضحى وذلك عندما يكون الناس منشغلين بأعمالهم وتخلو المنتزهات والحدائق العامة من مرتاديها.
لمجرد الكتابة
وفي داخل أحياء مدينة أبها التقينا الشاب سعد عبدالرحمن علي امام احدى الثانويات ممسكا بخاخا بيده وهو يخط بعض العبارات.
سألناه عن دوافعه لهذا التصرف فأجاب قائلا: انني اكتب لمجرد الكتابة وانني اخط بعض الاشياء التي تخطر في ذهني وهذه اول مرة اكتب فيها وعادة ما أخط على كتبي ودفاتري الا انني اليوم وبعد انتهائي من المدرسة وجدت امامي علبة البوية فقمت بالكتابة على هذا الجدار.
متعة
ويقول الطفل عبدالله سعد عن أسباب لجوئه إلى هذا التصرف:
أكتب على الجدران لكي أعبر عما بداخلي فإذا كنت أفكر في المدرسة أقوم برسمها.. ورغم ان والدي ضبطني عدة مرات وعنفني على هذا التصرف الا انني اجد متعة في الكتابة على الجدران..
ولم تفلح محاولات والدي في اثنائي عنها.
ومن الأمثلة السابقة تتحدد أبعاد الظاهرة ويتجاوز الضرر عندما تلامس تلك الشخبطات المجسمات الجمالية أو تجنح للاساءة وكتابة بعض الألفاظ النابية مما يخدش الحياء. فماذا يقول الشباب انفسهم في هذه الظاهرة التي يجمعون على ادانتها ورفضها وتجريم من يمارسها.
عمل طائش
الشاب محمد سعيد الغامدي اعتبرها من الظواهر التي تسيء للمنجز الحضاري كما أنها بعيدة كل البعد عن تعاليم الدين التي تدعو للنظافة.. ويتساءل: لماذا هذا العبث بجدران المباني والمنازل؟؟ ويرى انه عمل طائش لا فائدة ترجى من ورائه فاثبات المهارات في الخط والرسم لا يكون على الجدران وانما على القرطاس والقلم.
مشاعر مكبوتة
وفي تفسير هذه الظاهرة يجمع عدد من علماء النفس والاجتماع على أنها لا تعدو كونها نوعاً من التعبير أو التنفيس عن مشاعر مكبوتة لدى هؤلاء الشباب والمراهقين وهم لايجدون طريقاً للتعبير عنها سوى بالكتابة على الجدران، ويجب على الآباء والمدرسين في نطاق الاسرة والمدرسة توعية هؤلاء بالاضرار المترتبة على هذا السلوك وتجهيز أماكن مخصصة من قبل البلديات والأمانات ورعاية الشباب لتنمية مهاراتهم وتشجيعهم بالحوافز والمسابقات.