من الحياة
العنف.. جذوره ومظاهره (1)
د. ميسرة طاهر
قد يشاركنا بعض من حولنا في كثير مما نملك، فهناك من يشاركنا في المنزل، وفي الغرفة، وفي أوقاتنا، وأموالنا، وتفكيرنا، إلا أجسادنا لا يشاركنا بها أحد بل هي أساسا ليست ملكا لنا، وهي الشيء الوحيد الذي لا يشاركنا فيها أحد، ولقد حرم الله علينا قتل النفس لأنها ملك له وحده وليس لنا الحق في التصرف فيما يملكه هو، بل لقد توعد من يقتل نفسه بوعيد شديد وصل إلى حد الخلود في نار جهنم بغض النظر عن وسيلة القتل والمنتحر يشعر قبل موته بألم ناتج عن الأداة وألم الاحتضار لذا فقد جعل الله عز وجل هذا الألم في الآخرة مستمرا مع الفرد على هيئة خلود في النار ويمارس قتل نفسه بالطريقة نفسها التي قتلها في الدنيا إمعانا في ردع البشر عن قتل أنفسهم، ففي الحديث: « من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن احتسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يحتسيه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته بيده يجأ بها بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا».هذه النفس إذن ملك لخالقها وليس لأحد غيره ملكيتها، وحين تُقتل لابد أن يكون قتلها بالحق، أي وفقا لقوانين الله وحده وليس لقوانين البشر حتى صاحب النفس ليس له الحق في قتلها أو الخلاص منها.وحين يقع الفرد منا في ضيق لا يحتمله ورغبة في مفارقة الدنيا عندها عليه أن يُرجع الأمر لصاحب النفس فيدعوه « اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرا لي وأمتني مادام الموت خيرا لي.»للمسألة إذن قوانين وقواعد لابد أن يعيها أبناؤنا من وقت مبكر جدا، ولابد أن يشعروا أن ذواتهم محترمة ومقدرة ولكن دون مبالغة خشية وصول بعضهم إلى حد القلق المرضي على هذه الذوات.إن حرص الإسلام على ستر العورات يمكن فهمه من هذه الزاوية فهو حرص على ثمين وعدم تفريط بعزيز، فالملاحظ أن الأمم التي تبيح لأبنائها عرض أجسامهم بشكل مبتذل يسهل عليهم في الكبر ابتذالها أيضا، كما أن الأمم التي تجبر أبناءها على ستر أجسامهم دون منطق يقتنعون به قد يغريهم كشفها حين يجدون أن كشف أجسامهم يجلب لهم بعض الفوائد.وبالمقابل حين يتعرض الطفل لضرب مبرح لهذا الجسد يرخص جسده أيضا وترخص أجساد الآخرين ولا تصبح للأجساد في نظره حرمة فيضرب حتى أعز أجزاء الجسد بلا رحمة.ولكن لماذا يرفض البعض جسده؟ ولماذا يرفض البعض الآخر جنسه ويرغب في تغييره من الذكورة للأنوثة أو العكس؟إن سخرية الأهل من بعض أجزاء الجسد وبخاصة أعضاء في الوجه تجعل صاحبها يرفض جسده، وحالات رفض الذكر لذكورته أو الأنثى لأنوثتها نتيجة طبيعية للكلام الذي يسمعه كل منهما من الكبار والذي يصب في خانة تحقير جنسه الأصلي وتمني أن يكون من الجنس الآخر، كأن يقول الأهل للولد ليتك بنت، أو يقولون للبنت ليتك ولد، وكذلك التعامل مع الولد وكأنه أنثى والتعامل مع البنت وكأنها ولد.إن قبول الطفل لجسده والحفاظ عليه واحدة من البوابات المهمة لقبول ذاته فيما بعد.كما أن قبول الولد باعتباره ولدا والبنت باعتبارها بنتا يساعد كلا منهما على قبول جنسه وتعلم أنماط السلوك الملائمة لهذا الجنس.ولكن إذا لم نقبل شكل الطفل ولا جنسه وأسمعناه من الكلام ورأى من معاملة الكبار ما يشير إلى رفضهم له أو لجنسه أو لشكله فما هي النتيجة المتوقعة غير رفضه لشكله أو لجنسه؟
للحديث بقية نكملها بإذن الله في عدد الجمعة القادم
للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 146 مسافة ثم الرسالة