طابت جمعتكم
همسات في أذن الخطيب
الخطيب قدوة للناس فعليه أن يزن كلامه، وسلوكه وطريقة تعامله معهم، كما أن عليه أن يقدر الظروف والمناسبات التي تلابس الخطبة، فلكل مقام مقال، والبلاء موكل بالمنطق، وما يقال في مقام النصر والإنعام لا يقال في مناسبة الهزيمة، وما يخطب به في حال الخصومات والمنازعات لا يخطب به في حال الصلح، وما يقال في زمن الأمن غير ما يقال في زمن الفتنة. وقد ذكر العلماء أن للكلام شروطا متى أخل بها الخطيب أوهن فضيلة كلامه، وأذهب جمال نصحه، ومنها: أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته. وأن يقتصر منه على قدر حاجته، ولا يكن مهذارا في غير حاجة. وأن يتخير اللفظ الذي يتكلم به. وأن يتوخى به الفائدة من جلب نفع أو دفع ضر.
قال العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله في إصلاح المساجد من البدع والعوائد: يشترط في الخطيب أن يكون: عالما بالعقيدة الصحيحة، متمسكا بها لكيلا يضل الناس. وعالما بالفقه ليصحح عبادته، ويجيب السائلين على علم. وعالما باللغة العربية، وخصوصا الإنشاء ليأخذ بقلوب سامعيه. ونبيها ليستخرج درر الشريعة. ولسنا ليعبر عما يجيش في صدره.ووجيها ليهابه الناس، ويتقبلوا توجيهاته. وصالحا لا يرتكب المعاصي. ولمَّا كان الخطيب قد تصدَّر لتعليم الناس وإرشادهم إلى الخير ونهيهم عن الوقوع في الشرّ، لزم أن يتزوَّد بزاد وفير من العلم الشرعي الذي يمكنه من العرض، والاستدلال، والترجيح ويتمثل ذلك في حفظ القرآن الكريم وكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة، إِلى جانب الإالمام بالثقافة العامة التي تعينه على الاستشهاد بالأشعار والقصص والحكم والأمثال في مواطنها.
وخلاصة القول: فإني أرى أن الخطيب الناجح هو الذي تكون جعبته العلمية مليئة زاخرة يتناول منها ما يريد، فلا يضعف موقفه، ولا يملّ سماعه. وأمَّا إِذا كان محدود العلم قليل الزاد أوقعه ذلك في مشكلات كثيرة عندما تنضب حصيلته أثناء إِلقائه لخطبته، ممّا يضطرّه إِلى التكرار، وإعادة المعاني والموضوعات أكثر من مرَّة، فيورث ذلك سآمةً في نفوس مستمعيه، وشرودا لأذهانهم، فيودّ حينئذ لو أنهى خطبته تخلصا من الحرج .والله المستعان.
عبدالله الداني
Abd406@hotmail.com