فلسفة ما بعد الحداثة ( 4 )
فـلـسـفـة مـا بـعـد الـحـداثة انـتـقـلت إلـى الـثقـافـة الـعـربـيـة الـمـعـاصـرة عـن طـريـق الـتـرجـمـة
شايع بن هذال الوقيان
إن عدم مطابقة الدال للمدلول وقيام اللغة على نظام من الاختلافات قد انتقل من مجال اللسانيات إلى مجالات أخرى . فتمت في النقد الأدبي قراءة النص بحذر . إذا أصبح النص متفاعلاً و متعالقاً مع نصوص أخرى .. داخل سياق أكبر . وعملية التفاعل بين النصوص هذه تسمى (تناصاً) .والمؤلف لم تعد له أية سلطة على القارئ مادام مجرد ناسخ وليس مبدعاً خلاقاً كما كان في التصور الرومانتيكي .كما أن غياب قصدية المؤلف ( أو ما يسمى بموت المؤلف ) الذي يشترطه مفهومُ الكتابة عند جاك دريدا قد قضى على هذه السلطة قضاء مبرماً وفتح المجال للتأويل الحر والمتعدد أو للقراءات الخاطئة .. وليس معناه أن ثمة قراءة صحيحة يحوز عليها قارئ واحد دون سواه .. بل معناه أن المعنى النهائي غير موجود – فعلياً . ولكن هل يوجد كافتراض ؟ بالتأكيد نعم . وإلا لما كان لعبارة (خاطئة) أية قيمة وأي معنى , رغم وجود مستويات أخرى لا بد من الإقرار بها لكي نتفادى الوقوع في طوق الثنائيات : الاحتمالية – القريبة للصواب – القريبة للخطأ – الأقرب للصواب – الأقرب للخطأ – الظن!
إن وجود المعنى النهائي أشبه بالوجود الميتافيزيقي .. ليس لنا قدرة على القبض عليه كلياً .. ولكنه الأمل الذي يدفعنا للسعي الحثيث نحو النضج ونحو استمرارية البحث و القراءة والتأمل . فهو يشبه المطلق الروحي أو الحقيقة الغائبة التي تجعل للتفاؤل مكاناً في هذا الفضاء المشتت والمتشظي والممزق !
إن الدلالة قد أصبحت لعباً حراً بالدوال . فثمة إحالات مستمرة لا تنتهي إلى مدلول ثابت .. فالمعنى مؤجل دائماً حسب دريدا.
وفي الإنثروبولوجيا وجدنا شتراوس يستفيد من علم اللسانيات الحديث في بحوثه ودراساته . ويهمنا هنا اعترافه بالنسبية الثقافية , وإن كان قد بحث عن أصول التفكير المشتركة بين البشر بصرف النظر عن كونهم بدائيين أو حديثين . فثقافات الشعوب البدائية وأساطيرهم قائمة على نظام من الرموز العرفية ولها منطقها الداخلي الخاص بها – على عكس ما يقول به « ليفي بريل « الذي اعتبر المجتمعات البدائية ما قبل منطقية . والنظام الرمزي يتكون من عناصر و علاقات تبادلية أو تواصلية . ولا يكون لأي عنصر أو سمة ثقافية , أو لأي « ميثيمات» من قيمة دلالية يمكن العثور عليها إلا باختلافها وانخراطها في علاقات التبادل . فأجرى شتراوس مقارنة بين نظام اللغة ونظام القرابة عند الشعوب البدائية . وهذه المقارنة تكتسب جدواها من النظر إلى هذين النظامين باعتبار كل منهما نسقاً رمزياً من العلاقات الاختلافية التبادلية . ففي نظام اللغة يتم التواصل من خلال تبادل ( الكلمات ) . وفي نظام القرابة يتم التواصل من خلال تبادل ( النساء ) . فالمرأة في نسق القرابة لا تقل أهمية عن الكلمة في نسق اللغة , فهما عنصرا تبادل واتصال .
النسخة العربية
انتقلت فلسفة ما بعد الحداثة إلى الثقافة العربية المعاصرة كما انتقلت الأفكار الأخرى , عن طريق التواصل الحضاري المثمر الذي يتخذ سبلا متعددة أهمها الترجمة . و يمكننا أن نشير بسرعة إلى أن « الترجمة « بحد ذاتها تعد قضية فلسفية قابلة للنقاش في أدبيات ما بعد الحداثة . فهي الإشكالية التي مرت من خلالها بقية الإشكاليات !
ومناط النقاش يكمن في كون الترجمة تفترض وجود المعنى الأحادي والفهم الأحادي , فهي تستند عليه من أجل إنجاز الترجمة , بل إنها تكاد تكون مستحيلة بدونه . إن الترجمة هي الإمكانية التي تقضي على بقية الإمكانيات .. أقصد بقية الممكنات الدلالية الأخرى التي يحتملها النص المترجَم , وتحديداً النصوص الأدبية والفلسفية التي يغلب عليها طابع الترميز والتخييل والتجريد . وهذا الإقصاء المتعمَّد ضروري لقيام الترجمة , وبدونه تصبح تأويلا حرا وقراءة ذاتية .
ارتاب كثير من المفكرين العرب الذين لا يزالون منخرطين في تيار الحداثة والتنوير العقلاني من هذه الموجة العدمية التي تهدف لتدمير كل أساس أو مركز يمكن الاستناد عليه في نشر الوعي التنويري والفكر العقلاني .. فوقفوا موقفا معادياً أو لنقل موقفا متوجساً من فكر ما بعد الحداثة , بحجة أن المجتمع العربي لم يشهد , بعدُ , فكر الحداثة ولم يعش الحداثة , فكيف بما بعد الحداثة !
كما أن فكر ما بعد الحداثة و بناء على التوجهات الفلسفية التي ينطلق منها لا يجد غضاضة في الإيمان بحق الفكر الخرافي والأسطوري واللاعقلاني في الوجود والتعبير عن نفسه . وهذا – برأي مفكري الحداثة العرب – يهدد الجهود التنويرية التي بذلها الفكر العربي منذ النهضة الحديثة , وهي جهود تنص على العقلانية والمنطق والعلمية والتنوير .. وترفض رفضا باتاً إعطاء أية فرصة للأفكار الرجعية الأخرى للظهور والإعلان عن نفسها .
إذن موقف مفكري الحداثة العرب (محمد عابد الجابري , حسن حنفي , عبد الله الغذامي , فهمي جدعان ...الخ) من فكر ما بعد الحداثة لم يكن موقف الرفض القاطع والأعمى , وهذا هو موقف التيارات المحافظة من الحداثة ومن ما بعد الحداثة ومن أي فكر جديد أساساً .. بل كان موقفهم موقف من يعطي للتدرج التاريخي أولوية كبيرة في تجذير الأفكار وصهرها داخل إطار المجتمع العربي المعروف بمحافظته و سيطرة التيارات اللاعقلانية على عقول أبنائه .
ومع ذلك فقد رد عليهم مفكرو ما بعد الحداثة (علي حرب , أدونيس , محمد سبيلا , عبد السلام بنعبد العالي) بأن فكر ما بعد الحداثة لا يعني العودة إلى ما كان قبل الحداثة .. بل إعادة الاعتبار إلى « ما نفتْه الحداثة » كما قال علي حرب .
فقد نفت الحداثة العربية كما فعلت جارتها الأوربية كل نشاط فكري وروحي لا ينسجم مع التصورات والتحديدات العقلانية التي راجت في عصر التنوير الأوربي ( القرن الثامن عشر تحديداً ) و عصر النهضة العربية ( القرن التاسع عشر وأوائل العشرين ) . وأخذوا في طمأنة هؤلاء بأن استعادة الفكر غير العقلاني كالصوفي والأسطوري لا يعني إحياءه من جديد كعقيدة .. ولكنه مجرد استنطاق لها و كشف عن ممكناتها و إعادتها إلى مكانها الطبيعي في الثقافة بوصفها رموزا ذات دلالة .
وهذا الهاجس الذي أرَّق الحداثيين العرب لا يزال يعمل عمله .. وخصوصا بعد رواج الفكر الغيبي والأسطوري من جديد بعد الانفجار المعلوماتي والتقني والإعلامي . ولكنه هاجس واهم لو أمعنا النظر ولو أعطينا لهذا الحراك فرصته لكي ينضج , فإنه سيثمر عن تفاعل وتلاقح وحوار حضاري جميل !
إذن فالحجة التي ترى أن العرب لم يمروا بعد بالحداثة لكي نتحدث عن ما بعد حداثة , حجة باطلة في نظر مفكري ما بعد الحداثة , لأن ما بعد الحداثة ببساطة هي توسيع لدائرة الحداثة ذاتها وتحقيق لإمكاناتها المعلَّقة . إنها تقبل الحداثة وتقبل ما عداها . فهي تؤمن بالتعددية والاختلاف وتجاور الأفكار , وترفض النفي والإلغاء الذي نقدت الحداثة بسببه . فالحداثة متهمة في نظر ما بعد الحداثة بأنها فكر إقصائي .
وفي الختام فإنني أرى أن فكر ما بعد الحداثة هو ثمرة طيبة من ثمار فكر الحداثة نفسه . إنها الحداثة وقد تعالت على نفسها , أو هي الحداثة وقد عادت إلى ذاتها بعد دورة جديدة من النقد الذاتي الذي تمتاز به فلسفة الحداثة بشكل عام وما بعد الحداثة بشكل خاص . فهل ننتهي إلى ما قرره الفيلسوف الحداثي يورجين هابرماس بأن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد ؟!