حمود البدر
الإفراط والتفريط
الإفراط والتفريط طريقان ربما قادا سالك أي منهما إلى الهلاك ما لم يعدل مساره تجاه الوسطية وهي الطريق المعتدل الذي يريح صاحبه، ويريح من حوله.
فالافراط هو الأخذ بالأحوط من المتاح إلى أن يصل الأمر بسالكه إلى أن يجعل أسلوبه في التعامل مع النفس ومع الغير خطرا على من حوله ولعل سالك هذا الطريق أراد -في البداية- إلى أن يكون بعيدا عن الأخطاء وعندئذ يأتي الشيطان فيغريه بالمبالغة في ذلك ليجد نفسه عدوا لها وعدوا لمن كانوا يألفونها عند بداية الطريق.
أما التفريط فهو الأسلوب الذي يأخذ بالرخص في البداية ثم يتمادى في ذلك ليجرب هذا وذاك إلى أن يصل لمسلك مليء بالخطايا والموبقات مما يقوده ويؤدي به الى الهلاك ان لم يعد إلى رشده ويتوب عن تفريطه فيسعد دنيا وآخرة.
ومن أراد النجاة فليسلك ما بين هذا وذاك، بحيث يؤدي الواجبات في حدودها الشرعية والقانونية مما يبرئ ذمته ويرضي عنه الإله، ومن حوله من البشر والمخلوقات الأخرى التي يتعامل معها طبقا لشرع الله القويم.
والأمثلة على ذلك كثيرة يأتي على رأسها الشياطين واتباعهم ممن يعملون الخطايا والموبقات ويسوّقون لها مع علمهم بأن مصيرهم إلى النار والعياذ بالله وهذا المسلك ينطبق على سلوك المفرّطين الذين لا يعبدون الله ولا يأتون بالأعمال المستقيمة في تعاملهم مع البشر.
ويأتي مثال التفريط بالوسطية من سلوك أولئك الذين أرادوا ان يزيدوا في “الكيلة” ليصبحوا صفاً واحداً مع الذين لم يفوا بالكيل (من حيث الضلال والإضلال) من حيث المصير مع انهم قصدوا (في البداية) الهروب من ذلك المسلك فقادهم تعصبهم إلى الوقوع في المحظور.
فالذين يستحلون محارم الله ويقومون بالتعدي عليها استجابة للرغبة الشخصية أو استخفافا بما أمر الله ورسوله بالالتزام به في المجالات التعبدية والسلوكية، هؤلاء مصيرهم (إن لم يتوبوا) العذاب يوم القيامة.
والذين يبالغون في أداء العبادات إلى درجة تخرجها من مشروعيتها ويسيئون إلى من حولهم مهددين حيواتهم وأموالهم (ظناً منهم انهم يعبدون الله) فإن مصيرهم مثل مصير الذين استحلوا المحارم (إن لم يثوبوا إلى رشدهم)
إبليس “لعنه الله” تحدى ربه عندما أمره بالسجود لآدم انتصارا لما يراه من تفوق لذاته ومصدر خلقه {خلقتني من نار وخلقته من طين}.
وأولئك الذين قتلوا أولياء الله اتهاما لهم بالتفريط هم أيضا من اتباع الشيطان حينما أغراهم بالمبالغة في اتباع ما لم يأمر به الله أمثال الخوارج ومن يسلك مسلكهم.
قد تكون هذه المقدمة طويلة نسبيا ولكنها قد تفيد في تقديم ما تقوم به حكومة بلدنا الحبيب من الدعوة الى الحوار بديلا عن المواجهة بين الأطراف ذوي الآراء والمعتقدات المتباينة أو الشكوك المتبادلة.
بدأ ذلك المشروع بالحوار الوطني الذي قطع شوطا كبيرا في التفاهم بين الأفراد والجماعات المحلية، بحيث استمع هؤلاء الى أولئك مما جعل الوضوح بديلا عن التخمين وبالتالي قاد ذلك الى إقناع أحد الطرفين بمفاهيم الآخر بدلا من الوقوف موقف الهجوم على ذلك الرأي من قبل من لم يفهموا حقيقته، ومن بين ذلك الحوار الذي تم بين علماء من السنة وآخرين من الشيعة.
تم تطور المشروع الى دعوة العلماء المسلمين للاجتماع والتحاور بجوار بيت الله العتيق ما قرَّب بين مفاهيمهم أو -على الأقل- أتاح المجال للإخوة القادمين من أصقاع الدنيا للتعرف عن كثب على ما لديهم، مما قد يوضح ما جرى فهمه بطريقة غير مطابقة للواقع قبل عقد المؤتمر.
وآخر المبادرات -حتى الآن- كان الحوار الدولي في مدريد الذي التأم فيه علماء وقادة من مختلف الطوائف الدينية و العقدية وبخاصة أقطاب الأديان السماوية “اليهود والنصارى والمسلمون” من أجل تضييق الفجوة بين هذه الأديان وخلق جو من التفاهم والتعاون، بل إن ذلك يتيح للإسلام أن يتضح أمام من يجهلونه.
ولا أشك ان مواصلة مثل هذه الحوارات على المستويات المختلفة من شأنه أن يقلل من فرص التصادم والتحقير لهذا المبدأ أو العقيدة مقابل ذلك أو تلك.
كما لا أشك أن من أوجد هذه الفرص التحاورية ونماها وطورها لن يتخلى عنها بل سوف يواصل -بإذن الله- تطويرها وتعزيز انجازاتها.
ذلكم هو خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز فله منا وممن حاورناهم أو حاورونا جزيل الشكر والامتنان على ما تم وما سوف يتم مستقبلا بإذن الله، وقد تجلى ذلك الشعور في ما قيل أو كتب عن مؤتمر مدريد من اشادة بالفكرة وما قادت إليه بل إن كلمة الملك عبدالله كانت محل التقدير بوصفها ورقة عمل فاعلة.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 112 مسافة ثم الرسالة