أهـل الـكـهـف - 3
الكهف كان بدائيا والزخارف نقشت في فترات متأخرة
بـيـت إيــلان.. صومعة تحولت مسجداً يضم واحداً من أقدم منابر العالم
جولة: سمر مشخوج
يتابع الدكتور محمد وهيب المتخصص في علم الآثار ان الكهف يعود الى حقب تاريخية والحقبة الرئيسية في هذا الموضوع هي العصر الروماني, والدولة الرومانية كانت دولة وثنية, وبالتالي لم تكن تسمح لأي شخص ان يظهر دينا غير الوثنية وبنت هذه الدولة الرومانية في عمان والتي كانت تعرف باسم (فيلادلفيا) معبدا وثنيا اسمه معبد “هرقل” ووضعته في أعلى قمم عمان وكانت مدينة عمان “فيلادلفيا” تتكون من المدينة العليا التي فيها المعبد والمدينة السفلى التي يطلق عليها اسم سقف السيل وهنالك كانت الاسواق في منطقة المدينة السفلى وهنالك ايضا كان يعاقب المسيحيون الذين يعلنون عن دينهم, وتذكر لنا الوثائق الارمنية القديمة ان مجموعة من المسيحيين قد جيء بهم الى منطقة بوابة جرش وهي في عمان وهي البوابة القادمة من مدينة جرش واستتابتهم, يعني ان يعودوا من المسيحية الى الوثنية فرفضوا وقتلوا.
تذكر لنا الوثائق ان بوابة مادبا في نهاية عمان الطريق المتجه الى مادبا انه تم معاقبة مجموعة من المسيحيين وقتلهم لأنهم آمنوا برسالة عيسى عليه السلام, وبالتالي هؤلاء الفتية فروا من عمان الى الكهف حتى ينجوا بدينهم لأنهم كانوا امام خيارين, وهكذا ورد في القرآن قوله تعالى: {انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم او يعيدوكم في ملتهم} فهناك عقوبتان اما الرجم والقتل أو ان يعود وثنيا, ونحن نعلم من اعجاز القرآن كما قال الفتية {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة} لم تقل إلها واحدا بل آلهة لأن الرومان كان لديهم عشرات الآلهة.
هؤلاء الفتية نقيون لذلك اضطروا الى الهروب في العصر الروماني وجاء في القرآن الكريم ان الكهف معروف, ربما هذا يشير الى ان الفتية كانوا يخرجون الى هذا الكهف قبل الخروج الاخير ويعرفونه ويلتقون به ويتدارسون به شؤون دينهم وبالتالي لم يكن هذا الكهف شيئا مزخرفا ومزينا كما في الواقع الآن, بل كان كهفا بسيطا بدائيا وبالتالي كل ما نعرفه في العصر الروماني عن هذا الكهف انه كان مغارة بسيطة جدا ثم نحتها الرومان فحولوها الى كهف, وعلينا ان نأخذ في الحسبان ان الوصف القرآني دقيق جدا لانه عندما نقول كهفا فانه في القرآن هنالك ايضا وردت كلمة مغارة, فالقرآن فرق بين مغارة وكهف, فالكهف يبدو انه صنع بشري بينما المغارة صنع الهي من تكوين طبيعي أي انه لم تدخل عليها أية تحسينات, ولذلك كان كهف الرقيم كهفا بسيطا صنعته يد الانسان.
الفجوة
ثم بعد اكتشاف أمر الفتية في زمن المسيحيين البيزنطيين نجد ان الزخارف البيزنطية موجودة هنا وهناك في محاولة لتجميل هذا المكان ثم نجد في العصر الاسلامي الكتابات التي تركها المسلمون الاوائل هنا وهناك تخليدا لذكرى زيارتهم لهذا المكان الذي وصفه الكثير من الرحالة والمؤرخين ومن بينهم المقدسي الذي يقول: ان لهذا الكهف بابين كبير وصغير فهو وصف دقيق ايضا, ورد في القرآن الكريم ذكر الفجوة {وهم في فجوة منه} فهنا الآية تشير الى وجود الجانب الايمن حيث كانت اشعة الشمس تنكسر في ذلك الوقت, وذلك إعجاز من اعجازات الله تعالى حيث تنكسر في اتجاه اليمين, فالآن نجد ان الفجوة التي بناها البيزنطيون في اتجاه اليمين منسجم تماما مع وصف الآية القرآنية التي اشارت الى ان انكسار اشعة الشمس وقت الطلوع يكون في الجانب الايمن واشار كثير من العلماء الى اهمية الباب والى اهمية الاجزاء الداخلية من الكهف, وانها كانت مميزة. اذن هو مميز من حيث عمارته وزخارفه ومن حيث اقوال الرحالة والمؤرخين ومن حيث انطباق البحث العلمي المحكم الذي يعتمد على التحاليل المخبرية لانه حقيقة مازلنا بحاجة الى مزيد من الدراسات, وخاصة العظام الموجودة داخل الكهف هل هي عظام الفتية ام عظام السكان الذين كانوا يدفنون بجانب الفتية. فأين ذهبت عظامهم وأين ذهبت أغطية التوابيت التي كانت داخل الكهف, حقيقة لا نعلم اين هي عظام أهل الكهف, ونحن نعتقد انه ليس من المناسب ان نلمس هذه العظام, ذلك انه جزء قليل هو المتبقي من هذه العظام, وحسب المنقب ان الكثير من الهياكل العظمية التي كانت موجودة في الكهف تم جمعها في احد التوابيت وإغلاقها بإحكام.
منجم ضخم
وكثير من الحقائق العلمية مازالت بحاجة الى تمحيص ودراسة ونحن نقوم بمشروع لتوثيق هذا الكهف واصدرنا كتابين وعدة مقالات ولازلنا بصدد اصدار المزيد من الكتب فهنالك التخطيط لان يكون اثني عشر كتابا عن هذا الكهف. وحقيقة هي مغارة صغيرة لكنها بإرثها العلمي ومعلوماتها الدينية القيمة تحتاج الى اثني عشر جزءا.
وهذا الكهف هو منجم ضخم يحظى باهتمام مئات الالاف من الزوار ويهم مليار مسلم ومليار مسيحي, مليار مسلم لان سورة كاملة في القرآن الكريم نزلت بهؤلاء الفتية, ولها فضل القراءة يوم الجمعة وبالتالي فإن الاهتمام بهذا المكان هو اهتمام كبير. اما بالنسبة للمسيحيين فانهم يهتمون بفتية الرقيم لان الفتية هؤلاء كانوا من المؤمنين برسالة عيسى عليه السلام, وبالتالي نجد ان القصة وردت في التراث المسيحي واصداؤها في الشرق والغرب معروفة, والكثير من زوار هذا الكهف هم من الجنسيات الاوروبية والامريكية وجنوب شرق آسيوية ودول الخليج العربي الذين يعتقدون انه الأقرب الى الصواب.
حقيقة الزخارف
الان نأتي الى العصر البيزنطي والقبور والزخارف الموجودة داخل الكهف, فالكهف عندما تدخل من البوابة فإنك تشاهد بوابة عامود ما يسمى بالكوة وهي ربما كانت توضع بها القناديل ليلا, وفوق عتبة الكهف زخارف حوالى خمسة دوائر من ضمنها دائرة بها صليب ثم بعد ذلك ينزل الزائر ثلاث درجات فاذا هو امام حجرة الدفن فعلى الجانب الايمن يوجد غرفة بها ثلاثة قبور وعلى الجانب الايمن غرفة ايضا بها ثلاثة قبور فيصبح المجموع ستة قبور واذا ما أغلقنا الفراغات بين الثلاثة يصبح العدد ثمانية وهذه القبور زخرفت واجهاتها بالزخارف النباتية والهندسية فقط وليس هنالك أية رسوم أدمية او حيوانية, ثم زخرفت الحجرات على جوانبها بالكتابات والزخارف, ثم بعد ذلك اقام البيزنطيون بالداخل قوسا حجريا من الحجارة المنحوتة التي تم ادخالها الى الكهف, ويستطيع المرء بعد ان يدخل هذا القوس ان يدخل الى حجرة الفجوة وهي التي يعتقد ان الفتية كانوا نائمين بها, وهذه الحجرة تميزت بأن لها قبة وهذا هو أمر في غاية الاهمية لأن القباب كانت دائما تقام على الاماكن ذات القدسية, كما هو في المساجد والكنائس, بعد ذلك تتجه الى الاتجاه الايمن فتجد الفجوة والتي بناها البيزنطيون ب‘حكام شديد حيث تسمح للضوء بالدخول من سطح الكهف الى داخل الحجرة وتعطي هذا الكهف نورا ربانيا طبيعيا وليس بالقناديل, وبعد ذلك اذا عدنا وخرجنا من الكهف نجد ان البيزنطيين بنوا خزان ماء وهذا يعتبرندرة في منطقة شبه صحراوية, ايضا اقام البيزنطيون فوق الكهف كنيسة صغيرة اطلق عليها المنقب رحمه الله “بيت ايلان” وهي تعني انها مكان عبادة او صومعة للبيزنطيين قياسها عشرة بعشرة امتار أي ما يعادل مائة متر مربع, هذه الصومعة استمرت تخدم المتعبدين بالعصر البيزنطي حتى دخول الفترة الاسلامية فقام المسلمون بتحويلها الى مسجد واضافوا محرابا الى الجدار الجنوبي المتجه الى القبلة, كما قام المسلمون باضافة مسجد اخر يطلق عليه المسجد السفلي, ويبدو انهم ابتعدوا عن المسجد العلوي لانه مقام على مقبرة, ولأن هنالك صعوبة في الصعود الى المسجد العلوي فأقاموا مسجدا سفليا يستطيع المرء ان يدخل اليه بسهولة, وكان هذا المسجد السفلي له ثلاث مداخل وسقف قبو وكان له منبر, ويعتقد ان هذا المنبر من أقدم المنابر الموجودة في العالم وخلال العصر الحديث اللجنة الملكية لاعمار مقامات الصحابة اضافت اضافات في بناء مسجد ودار ومكان ضيافة وهذه كلها جهود متراكمة عبر العصور حتى عصرنا الحاضر.