أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
الشركات الخليجية المتعددة الجنسيات
جمعتني الصدفة في إحدى المناسبات مؤخراً بزميل قديم يعمل رئيساً لإحدى المجموعات الصناعية الكبرى في الخليج، وتجاذبنا الحديث حول شركته، أو الشركات التي يرأس مجلس إدارتها. فذكر لي بأن لشركته استثمارات وفروعاً في عدد كبير من الدول، تمتد من روسيا ورومانيا وإيطاليا إلى المملكة العربية السعودية والهند ودول الخليج العربية. وان معظم استثماراته في الدول الأوروبية ارتكزت منذ السبعينات على شراء شركات صناعية صغيرة تملك خبرة تقنية متقدمة. ويتم ذلك عبر الاستحواذ الجزئي على رأسمال هذه الشركات، وفيما بعد يتطور هذا الاستحواذ حتى تكاد شركته تشتري كامل هذه الشركات الصغيرة وتطوّرها ، وتدخل في مناقصات محلية في تلك الدول ، وتدعم مصانع الشركة الأم في بلدها الأصلي في الخليج. ويفخر زميلنا بأن شركته قد فازت مؤخراً في عقد لتكييف بعض الملاعب الرياضية في روسيا، وأنها الآن باتت تصنع أجهزة التكييف الحائطي لبعض الشركات الكبرى سواء اليابانية منها أو الأمريكية. وذكر لي أن مثل هذا النجاح لم يتم لولا حرص مجموعته الصناعية على وضع خطة متكاملة نفذت خلال أكثر من ثلاثة عقود، ولم تنحصر فقط في الحصول على وكالات تجارية بل تعّدت ذلك إلى شراء التقنية ذاتها، والخبرة في التصنيع والتسويق المتوافرة لدى الشركات الأجنبية التي تعمل في نفس المجال. تذكرت ذلك وأنا استمع هذه الأيام إلى الكثير من الأخبار عن استحواذ شركات ورؤوس أموال خليجية على بعض الاستثمارات العقارية والصناعية في الولايات المتحدة وأوروبا. فالشركات والمستثمرون الخليجيون يستفيدون حتماً من المشاكل التي تمر بها بعض البنوك الكبرى في الغرب والأزمات المالية التي تواجهها هذه الشركات، وتنجح تدفقاتهم المالية الضخمة في إنقاذ هذه الشركات والبنوك من الانهيار .
ولا شك أن الاستثمار في هذه الشركات الأجنبية تحفه بعض المخاطر التجارية، وبعض المخاطر السياسية المحدودة. وربما تعرض الاستثمار في هذه الشركات لبعض العقبات الضريبية وهنا يتوجب على الشركات الخليجية أن تنظر إلى المخاطر التجارية والسياسية بعين دقيقة، وأن تكون لها رؤية مستقبلية في الاستفادة من هذه الاستثمارات.
ولا شك أن هناك تداخلاً بين الخطط التجارية والاستثمارية للشركات الخليجية وبين التوجهات السياسية لدول الموطن الأصلي، فمثلاً حينما تستثمر شركة متخصصة في الزراعة والتصنيع الغذائي فإنها بحاجة لدعم الدولة الأم في الحصول على ضمانات من الدولة المستهدفة للاستثمار، بعدم التعرض للاستثمارات الأساسية (خاصة في دول العالم الثالث) بأي تأميم أو عراقيل سياسية.
كما أن من حق الدولة الأم أن تحصل من الشركة الزراعية أو المصنعة للأغذية على جزء ضخم من إنتاجها لتضمن لمواطنيها الحصول على مثل هذه السلع الإستراتيجية بأسعار منافسة. وهذا يعني أن هناك مسؤولية اجتماعية تتحملها الشركات الخليجية المتعددة الجنسيات ومنها المساهمة في تأمين وظائف لمواطني دول الخليج وإعطائهم الأولوية في التوظيف سواء في المقر الرئيسي لعملياتها، أو في الفروع خارج الوطن.
من جانبها ، فإن حكومات دول مجلس التعاون قد سعت إلى مساعدة شركاتها الناشئة (لا تتعدى عدد الشركات الخليجية الكبرى أكثر من 400 شركة مساهمة). وقد جاءت هذه المساعدات عن طريق إبرام اتفاقيات ضمان للاستثمار مع البلدان الثانية ، وتسهيل تبادل السلع والخدمات الثنائية والإقليمية، والسعي لإنشاء أسواق تجارية مفتوحة مع بعض البلدان ذات الحجم الكبير في التجارة الخارجية مع بلدان الخليج. وقد جاءت معظم هذه الاتفاقيات والاستثناءات لتسهيل التوسع الأفقي للشركات الخليجية في هذه الدول .
ولكن تبقى السمة الرئيسة للشركات الخليجية هي تسويق منتجاتها في عدد كبير من الدول الأجنبية فأكبر شركتين خليجيتين وهما أرامكو وسابك تسوقان منتجاتهما في معظم البلدان الصناعية، ولهما أذرع تسويق قوية يديرها مواطنون مؤهلون ومتميزون. وسيظل مثل هذا النموذج هو النموذج الأكثر انتشاراً، أما النموذج الآخر للشركات الصناعية أو لشركات الخدمات الخليجية، فهو النموذج الجديد الذي نكاد نتلمس بداياته في مثل هذه الشركة المذكورة، أو غيرها من الشركات مثل شركات الاتصالات الخليجية، أو شركات خدمات الموانئ التي بدأت تفرض وجودها وخبرتها على مستوى إقليمي، وربما عالمي كذلك.
ربما كانت الحلقة المفقودة هنا هي تتبع الخطى اليابانية في هذا المجال. فنجاح الشركات اليابانية أو الكورية في الاستثمارات الخارجية، قد جاء عبر تلاحم المنظومة التعليمية مع المنظومة التجارية والصناعية في هذه الدول. فقد ركزت مثلاً الدراسات السياسية في اليابان على العلاقة بين المخاطر السياسية للاستثمار، وبين المخاطر التجارية. بحيث أصبح ممثل إحدى شركات السيارات اليابانية الكبرى يحمل درجتين علميتين، إحداهما في التسويق أو التمويل أو المحاسبة، والأخرى في العلوم السياسية والعلاقات الدولية. وباتت كل من هذه الشركات والبنوك الضخمة تؤسس مكاتب داخل شركاتها تعنى بالدراسات السياسية الإقليمية، وتوظف أفضل الخبراء والباحثين في هذا المجال لتقديم خبراتهم واستشاراتهم إليها. وفي النهاية، فإن هذا المثلث الممثل للشركات الخليجية، وللدول نفسها، وللمجتمعات والشعوب الخليجية، مثلث ، إذا ما وظّف على الشكل الأمثل فستنتج عنه خطط تنموية مستقبلية حقيقية تستفيد منها كل من هذه الحلقات الثلاث، وإن كان ذلك بنسب متفاوتة.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 119 مسافة ثم الرسالة