د. رشيد بن حويل البيضاني
ضمير الشيخ
في لحظة تأمل فيها تاجر الحلي, طقم الألماس الذي أمامه, وتذكر تلك المرأة التي دخلت عليه حانوته مع ابنها الشاب, وأعجبها الطقم, وكذلك ابنها, وساومت عليه, وأعطت سعراً, ولكن التاجر أكد لها أن هذا السعر تحت رأس المال, ومرت أيام معدودات, ورن جرس الهاتف... فإذا بالتاجر يجدها على الخط محاولة إقناعه بالسعر الذي عرضته عليه, وتحدثت عن رغبة ابنها في هذا الطقم, وتحدثت مع التاجر عن ظروفها, ومعاناتها, وأنها امرأة مطلقة, وقد كافحت كثيرا حتى بلغت بابنها سن الشباب, وهي لا تريد أن تكسر بخاطره, وتريد أن تحقق له رغبته, وأن عليها أن تدفع الكثير حتى تزوج ابنها... وأحس التاجر بنبرات الصدق في حديثها, وأحس بقساوة الأيام عليها, وأنهت المكالمة, وبعد لحظات من وضع سماعة الهاتف, بدأ الندم يتسرب إلى نفس التاجر, وأخذ يحدث نفسه :لماذا لم يبعها الطقم؟ وحتى إن كانت خسارة... واكتسب حسنة عند الله, بإهداء الفرحة إلى نفس هذه الأم المكافحة, والتي تجد لذة في اسعاد ابنها... ولكن هيهات, فهو لا يعرف لها رقماً حتى يعيد الاتصال بها, وأضناه الأرق والشعور بالندم, وشارك زوجته فيما حدث معه... وقالت ليتك وافقت في حينها... فنفرت دمعة ساخنة على خد التاجر, تعاطفت فيها مشاعره مع المرأة, واشتد شعور الندم بالتاجر ونغص عليه لحظاته, وطلب من الله, إما أن تعود وإما أن يشفيه من هذه المعاناة... وحاولت زوجته التخفيف عنه, وقالت له: أنت لم تؤذ هذه المرأة يا زوجي العزيز.. قال: ولكني فقدت إنسانيتي...
ومر يوم والثاني وفجأة ظهرت المرأة أمامه, ومعها ابنها وهي تقول: هل ما زلت مصمماً على رأيك...؟ وفرح الرجل فرحاً لا يوصف, وكان الفرح في داخله طرباً عند دخول المرأة, فرد قائلاً: الطقم لك إن شاء الله وبالسعر الذي يناسبك.. فتهلل وجهها فرحاً... وأحس التاجر براحة وكأنه ربح الملايين في بيعة خاسرة.
التجارة همها كبير... ويصبح همها أعظم حينما يتعاطف الضمير مع معاناة الآخرين....
هذا نص من كتاب للإنسان الخلوق الصديق المهندس طارق فتيحي, والذي وسمة بـ«ضمير الشيخ», أهداني هذا الكتاب الجميل في اخراجه واسلوبه وطرح مواضيعه, ولقد اعجبني به أن قصصه كلها تتحدث عن القيم والأخلاق الفاضلة والصدق والأمانة وحب الناس والسعي لمشاركتهم همومهم وافراحهم, اخرج المؤلف كتابه عن تجربة تجارية, حياتية, له ولأبيه, والقصة السابقة تحكي قصة واقعية لإنسانية التاجر المؤمن بربه, المتسم بالضمير الحي (وعلى ما أظن أنها لوالده).
يقول: محمد صادق دياب عن هذا الكتاب: «وهذا الجواهرجي وتاجر الذهب المهندس طارق فتيحي يجمع بين الاشتغال بالذهب والمجوهرات من ناحية وبين عشق الكتابة من ناحية أخرى, فيقدم لنا في هذا الكتاب مقالات لها صفاء الجواهر وبريق الذهب, داعية إلى مكارم الأخلاق».
ما دعاني لأن اكتب عن هذا الكتاب ليس دعاية لهذا الكتاب وتلميعاً لبريقه, وإنما لأن في هذا الوطن شباباً يجمعون بين العلم والتجارة والصلاح المبني على أساس الإيمان الصادق وبر الوالدين, فنسعد بشبابنا وقيمهم النبيلة, التي لم تسلبها جواهر الألماس والذهب الثمينة, بل زادهم هذا حب الناس والتواضع والبذل للمحتاج والتنفيس عنه ودعم مشاريع الوطن في أريحية المواطن الصالح والوطن ولله الحمد, فيه رجال يتشرفون به ويتشرف بهم.
dr@drrasheed.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 177 مسافة ثم الرسالة