محمد بن علي الهرفي
الأمة العربية.. السودان أنموذجاً
ليس عيبا ان يتحدث الآخرون عن عيوبنا ومشاكلنا.. وليس عيبا ان يحاولوا التدخل في كل شؤوننا الداخلية؛ ما ظهر منها وما بطن... وليس عيبا ان يفرضوا علينا حلولا تنسجم مع نوعية نظرتهم لنا.. لكن العيب - كل العيب - ان نعطيهم كلّ الفرص ليفعلوا كلَّ ذلك وكأننا نعيش في كوكب آخر لا يرانا فيه أحد. وعندما تقع الفأس في الرأس نبدأ في الصراخ ولكن بعد فوات الأوان.
الرئيس “صدام حسين” مات مشنوقا وبطريقة مهينة, ومع أنني أعرف أنه كان طاغية, ومع أنني اعرف أنه مهد الطريق لأعدائه ليفعلوا به وببلاده كل ما يريدون إلا أنني ومع ذلك كله ما كنت أحب له ان ينتهي بتلك الطريقة المهينة؛ تلك الطريقة التي شعرت فيها ان كل عربي قد لحقه من المهانة الشيء الكثير.. وما كنت أحب لعراقنا العزيز ان يتمزق بهذه الصورة؛ ارضا وشعبا وثروات.. والآن التفت “العدو” الى السودان, ذلك البلد العربي الذي يملك من الثروات الشيء الهائل, والذي بامكانه ان يكون “سلة الخبز” لكل العرب والمسلمين في وقت اشتد الجوع والفقر في معظم بلادنا, ونضبت فيه الثروات المائية, فتطلع العرب الى جزئهم “السودان” لعله يسد النقص ويصلح الخلل.
لكن “السودان” يتعرض ومنذ سنوات لمحاولات لا تهدأ تبغي تمزيقه الى دويلات يسهل الاستيلاء عليها وابتزازها, وقد استخدمت بعض الدول كل الوسائل الخسيسة للوصول الى ذلك الهدف؛ فهناك استغلال للاختلافات العرقية والدينية والمناطقية, وهناك حديث عن تقاسم الثروات والمناصب, كل ذلك لعله يحقق الهدف ويقرب المسافة التي يريدها “العدو”.
وأخيرا.. وعندما لم تحقق كل تلك الوسائل هدفها بالسرعة المطلوبة جاء الحديث عن محكمة الجنايات الدولية وبتهم جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وجرائم إبادة؛ كل ذلك - كما قال المدعي العام - وقع في دارفور!!
وبغض النظر عما قاله المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية “لويس مورينو أوكامبو” الا انه يجب الاعتراف انه لولا الاختلافات الداخلية الكثيرة التي أدت الى كل ما حصل ويحصل في السودان ما كان بمقدور المدعي العام ولا سواه ان يفعل ما فعل, ولهذا فقبل ان نلوم الآخرين يجب ان نعيد النظر في واقعنا, وفي طريقة أدائنا.
في السودان اختلافات كثيرة كانت واضحة قبل المشكلة الاخيرة, وزادت بعدها وضوحا؛ فزعماء جماعة العدل والمساواة أظهروا فرحهم الشديد بقرار المدعي العام, ومعروف ان رئيسهم “عبدالواحد محمد نور” على علاقة جيدة مع الصهاينة, كما ان ابراهيم خليل - هو الذي “غزا” الخرطوم لكنه فشل في هذه الغزوة!!
السيد حسن الترابي لم يبد أي امتعاض مما حصل, بل كان يحاول التأكيد على ان ما حدث كان نتيجة طبيعية لما آلت اليه الأمور, مع انه كان من أشد الانصار وكان يقود الحملات “الجهادية” لمقاتلة الجنوبيين, وبعد ان تضاربت مصالحه مع مصالح الحكومة انقلب عليها ضاربا بمصلحة السودان عرض الحائط..
والنوبيون - في الخارج - يتحدثون عن تهميشهم, وعن حقوقهم في حكم مستقل, - بصيغة مقبولة!! - وكأن تقطيع السودان أصبح هدفا ينبغي تحقيقه!! واللافت للنظر ان السيد “منِّي أركوى” كبير مساعدي الرئيس البشير لم يقل شيئا حول ما قيل عن رئيسه, ولهذا الصمت دلالات واضحة!!
وعلى أية حال أعود للقول: ان الجميع ساهموا بصورة واضحة فيما آلت إليه الأحوال, ردود الفعل العربية كانت “معقولة” فالأمين العام لمجلس التعاون الخليجي انتقد الاتهامات الموجهة للبشير, وقال “ان هذا القرار لا يخدم الجهود المبذولة لحل أزمة دارفور واحلال الاستقرار في جميع ربوع السودان”.
والسيد عمرو موسى اتجه للسودان لمناقشة الموقف العربي الذي اتخذه وزراء الخارجية العرب في قضية “البشير” آملاً ان يجد مخرجا لهذه الأزمة.. الامريكان قالوا انهم سيدرسون طلب اصدار مذكرة التوقيف, وطالبوا كافة الاطراف بالهدوء!!
أما بريطانيا فطالبت السودان بالتعاون مع المحكمة!! ولست أدري أي نوع من التعاون يعنيه البريطانيون؟!! على أية حال موقف امريكا وبريطانيا واضح الدلالة!!
على أية حال لا أريد ان اناقش قرار المحكمة, ولست بصدد الدفاع عن “البشير” فقد قلت إنه لولا المشاكل الداخلية لما وصلت الأمور الى هذه الدرجة السيئة, لكني استغرب من تلك المحكمة التي أحصت جرائم الحرب في دارفور ولم تستطع رؤية جرائم الحرب “العظمى” في العراق وفلسطين وافغانستان!!
المدعي العام لم ينطق بكلمة عن مخالفات اسرائيل لقوانين مجلس الأمن عندما كانت - ولا تزال - تهدم منازل السكان الاصليين لتبني بدلا عنها مستوطنات للصهاينة, وآخر ذلك اعلانهم عن بناء 1500 مستوطنة في القدس.
المدعي العام لم ينطق بكلمة عن قتل آلاف المدنيين في العراق وافغانستان مع ثبوت هذه الجرائم, وكأن كل ذلك لا يعنيه!!
ازدواج المعايير هو الذي يجعل الناس لا يحترمون احكام المحاكم الدولية التي يتضح أنها “مسيسة” في معظم أعمالها.
لست أدري كيف ستتجه الأمور في السودان.. ولكن الذي أدريه أن هذا القرار سيؤدي الى افشال كل الجهود السابقة لاحلال الأمن والاستقرار في السودان.. فأين المصلحة في ذلك القرار؟؟
والذي أدريه - ايضا - ان السودانيين اذا لم يبادروا بجد الى حل مشاكلهم فإن أمورهم جميعاً ستسوء أكثر وسيكونون - كلهم - خاسرين!!
وأخيراً.. فإن تحقيق العدل أمر مشروع وواجب, والعدل يجب ان يطال الجميع مهما كانت مناصبهم.. ولكن العدل المطلوب ينبغي ان يوزع بالعدل ايضا كي يكسب احترام الجميع.
* أكاديمي وكاتب سعودي
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 113 مسافة ثم الرسالة