صلاح الدين الدكاك
لا شيء لتخسره
«روبنسون كروزو» أو «فلونا» كانت قصتي المفضلة بين سلسلة قصص الخيال الموجهة للأطفال!
فجأة تجد أسرة كاملة ـ نفسها على ظهر جزيرة نائية ومقطوعة عن العالم، بعد أن تحطمت السفينة التي كانت تقلّهم، بفعل عاصفة بحرية.. ما من بشر في الجزيرة سواهم، وبمرور الوقت نفد الطعام الذي بحوزتهم، كما نفد أملهم في أن يعثر عليهم أحد، عما قريب.. يتحتم عليهم، من الآن فصاعداً أن يقطعوا صلتهم تماماً بعالمهم الأول، وأن يشقوا طريقهم وسط الأحراش والطبيعة البكر، كما لو أنهم ولدوا من جديد.
ـ عند هذه النقطة تتلخص الفكرة المحورية للقصة، ويكمن إعجابي.. أليس عظيماً أن تمنحك الحياة فرصة أن تغتسل تماماً من خبراتك السابقة بالعالم؟!
أن تعود إلى شهقة البدء، وتعيد اكتشاف نفسك وبناءها من جديد، غير ملوث لا بحب ولا بكراهية، ولا بصداقة ولا بعداء، ولا بفكرة ولا بهوّية ولا بوطن.. ولا بهزائم لم تكن ـ في جوهرها ـ هزائمك، وانتصارات لم تكن انتصاراتك؟!
ـ على ظهر جزيرة نائية ومقطوعة عن العالم، سيغدو ارتداء «كرافتة» سخيفاً تماماً كالانتماء إلى قبيلة أو حزب أو أمة، وستكتشف أنك كنت ترتدي من الثياب والأفكار، أكثر بكثير مما تحتاج إليه بالفعل.. وبين عشرات الأقنعة التي ستعصف بها الحياة الجديدة، ستفاجأ بوجهك الحقيقي المغاير لكل تصوراتك عنه!
ما من شيء تخسره سوى أغلال عالمك الأول، الذي يثقلك باحتياجات وطقوس معيشية واعتبارات، أنت في غنى عنها، لكنها تحوَّلت بفعل إلحاح السوق، إلى احتياجات أصيلة وماسّة بالنسبة إليك، وتأشيرة عبور إلى قلب العصر.
ـ ما من جديد ستفوتك متابعته؛ إذ لا جديد في العالم سوى الحروب والكوارث والأوبئة، ولعل أكثر مبتكرات العصر فتكاً بسلامك النفسي وأكثر ما أنت في غنى عنه بالفعل، هو جهاز التلفزيون.. إن المجتمع يلحظ غياب هذا الجهاز في منزلك، لكنه لا يلحظ على الإطلاق غياب الخبز.. و رفاهك وسعادتك، في تقييم المحيط الاجتماعي، مرهونة بعدد ما تمتلكه من أجهزة حديثة، أنت تعيش لتشتري، ما يعيش الآخرون لينتجوه.. وتأكل ليشبع الآخرون، لا لتشبع أنت.
ـ «روبنسون كروزو» رائعة الكاتب الانجليزي دانييل ديفو، تحاكي حاجة إنسانية لدى الإنسان المعاصر، للانعتاق من أسر المجتمع الصناعي، وتلمُّس خطى الإنسان الأول، لتطبيع العلاقة ـ من جديد ـ مع الطبيعة الأم التي أساء إليها النشاط الصناعي كثيراً.. إن الإنسان بإعادة الاعتبار للطبيعة والتناغم معها، يعيد الاعتبار لإنسانيته التي طالتها التشوهات هي الأخرى.
ترى هل بقي على وجه الكرة الأرضية حفنة تراب، لم يُلوِّثها البشر الأرقى، بالكراهية واللهاث القبيح خلف الأنانيات، يهرسون في طريقهم أثداء الأرض وبؤبؤ السماء؟!
Salah_Aldkak@yahoo.com