الحوار عبر التاريخ
صالح بن خميس الزهراني*
-1 من القرآن والسنة
اذا ما حاولنا ان نستعرض تاريخ الحوار عبر التاريخ فإن اتجاهنا كمسلمين لن يتجاوز كتاب الله وسنة رسوله الكريم، حيث نجد قول الله تعالى (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) (34) الى قوله تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) (37). (لَّكِنَّاْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) (38) سورة الكهف. ْاما في السنة المحمدية المطهرة فإن أول حوار بعد الهجرة تمثل في وثيقة المدينة المنورة ومنها: (هذا كتاب من محمد النبي [رسول الله]، بين المؤمنين والمسلمين من قريش و[أهل] يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، 2. أنهم أمّة واحدة مِن دون الناس. 3. المهاجرون من قريش على رَبعتهم يتعاقلون بينهم وهم يَفدُون عانِيَهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 4. وبنو عَوف على رَبعتهم يتعاقلون معاقلَهم الأولى، وكل طائفة تَفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 5. وبنو الحارث [بن الخزرَج] على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 6. وبنو ساعِدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تَفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 7. وبنو جُشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 8.وبنو النّجّار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 9.وبنو عَمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 10. وبنو النَّبِيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 11. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين..) ومن تلك الآيات الكريمة، ثم من هذه الوثيقة يتبين لكل منصف ان من سمات ديننا الاسلامي الحوار منذ البعثة المحمدية خاتم الانبياء والرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولايزال في تواصل الى ان يرث الله الارض ومن عليها في تتابع من قوله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل: من الآية125).
واذا ما تأملنا في هذا التكليف الرباني نجد ان دعوات الحوار لا تكاد ان تتوقف في صور متباينة منها ما هو داخلي وهو ما يمثل الحوار الوطني الذي أمر به خادم الحرمين الشريفين والحوار الاسلامي الاسلامي بين المذاهب، وهناك حوار بين اتباع الدينات السماوية، ومبدأ الحوار -بصفة عامة- مبدأ إسلامي أصيل.
واذا ما رجعنا الى الوثائق التاريخية للدولة السعودية في مجال الحوار فاننا سنتجه الى مبادرة الملك عبد العزيز - يرحمه الله- التاريخية عندما عقد مؤتمراً عالمياً في مكة المكرمة عام 1926م, دعا إليه قادة النضال الوطني في البلدان العربية والإسلامية.. وهي في ذلك التاريخ تحت سطوة الاستعمار الأجنبي, وتدارسوا أوضاع الأمة وما يواجهها من تحديات. وانبثق عن المؤتمر أول منظمة إسلامية عالمية سميت (مؤتمر العالم الإسلام), وأسندت رئاسة المؤتمر لسمو الأمير فيصل بن عبد العزيز, حيث كان إذاك نائباً لجلالة الملك عبدالعزيز في الحجاز ووضعوا ميثاقاً عاماً للمؤتمر, ومن أبرز ما جاء فيه: العمل على تحقيق التضامن العربي والإسلامي, السعي لفتح الحوار مع الثقافات والحضارات.
ومن ذلك كانت المرحلة الثانية في تاريخ حوار الأديان بحسب ما اورده (الرفاعي حامد) البداية ذلك اللقاء التاريخي في الرياض عام 1972 م بين نخبة من رجال الفكر والقانون من أوروبا يرأسهم السيد ماك برايد وهو شخصية أوروبية متميزة, ونخبة من كبار العلماء في المملكة يرأسهم الشيخ محمد الحركان رحمه الله وزير العدل, ومن اسباب ذلك اللقاء: ان الأمم المتحدة كانت توجه في كل عام خطابًا إلى المملكة, تطلب إعادة النظر في تحفظها على ثلاثة مواد من مواثيق الأمم المتحدة وهي: المادة الثامنة, والمادة السادسة عشرة, والمادة الثامنة عشرة. وتختم الأمم المتحدة خطابها قائلة: (نذكركم بأن ميثاق الأمم المتحدة فوق المواثيق الوطنية والإقليمية).
فكان الملك فيصل رحمه الله يرد على خطابهم بخطاب مختصر, يؤكد إصرار المملكة على تحفظها بشأن تلك المواد, ويختم خطابه قائلاً: (نفيدكم بأن المملكة العربية السعودية دستورها القرآن والقرآن فوق ميثاق الأمم المتحدة ).
*رئيس مركز أسياد للدراسات والاستشارات الإعلامية.