أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
المسألة العرقية والسياسة
أقرأ هذه الأيام مقالتين علميتين, إحداهما نشرت في مجلة السياسة الخارجية, والأخرى في مجلة الشرق الأوسط, وكلتاهما مجلتان علميتان بارزتان, وكلا المقالتين تهتمان بعودة المسألة العرقية إلى اللعبة السياسية, سواءً في أوروبا أو في المشرق العربي.
المقالة الأولى كتبها الدكتور (جيري موللر) أستاذ التاريخ في الجامعة الكاثوليكية بواشنطن, وعنوانها الاستفزازي : نحن وهم, وتتحدث الورقة بشكل كامل عن عودة المسالة الرسّية إلى البلدان الأوروبية خاصة في وسط أوروبا وشرقها. وترى الورقة أن الأوروبيين كانوا ينظرون على الدوام إلى القومية نظرة سلبية, كونها ولـّدت لهم الحركة النازية، وتسببت في حربين مشؤومتين, الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.
وتذهب الورقة إلى أن المسألة العرقية ربما وجدت حلاّ لها في بلدان أوروبا الغربية (إلى حد ما) وهي بلدان تمثلت بدول قديمة مثل أسبانيا وبريطانيا والسويد وغيرها، وهي دول استطاعت أن تتعامل مع المسألة الرسّية أو العرقية بنجاح عبر نظم وأحزاب ديموقراطية فتحت فيه الباب واسعاً أمام مشاركة (شبه كاملة) للأقليات القومية فيها, بحيث أصبح هناك إندماج شبه كامل بين الأقليات والأغلبية في هذه البلدان, حيث غدا من الصعب الانتماء أو الاعتزاز بالإنتماء للأقليات, لأن الانتماء الوطني جلب منافع عديدة بحيث غطّت هذه المنافع الاقتصادية على الانحيازات أو الانتماءات السياسية الضيّقة.
غير أن الباحث يبين أن التجربة الناجحة للدولة القومية الموحدة في غرب القارة لم تنطبق للأسف على وسط القارة أو شرقها, التي اضطرت فيها, هذه البلدان, إلى الانفصال أو التقسيم السياسي, كما حدث مع الإمبراطوريات القديمة مثل إمبراطورية (الهابسبوج), أو في الإمبراطوريات الحديثة, كما حدث مع الاتحاد السوفيتي أو الاتحاد اليوغوسلافي.
وهو يرى أن التقسيم السياسي ربما يكون حلاً مثالياً للقوميات الصغيرة المتصارعة, بالرغم من التكلفة المالية المتمثلة في مرابطة أعداد كبيرة من جنود قوات حفظ السلام كما هو الحال في البوسنة وكوسوفو وغيرها من بلدان جنوب شرق أوروبا.
أما الورقة أو البحث الثاني فهو بحث نشره الدكتور (عديد دويشه) وهو أستاذ عراقي يدرس في جامعة ميامي بولاية اوهايو الأمريكية ونشره في مجلة الشرق الأوسط.
ويركز المقال على المسألة الرسّية والخطاب السياسي في العراق بعد الاجتياح الأمريكي عام 2003م. ويرى الكاتب أن المسألة الرسية أو العرقية في العراق كانت على الدوام مشكلة واجهت الحكومة العراقية منذ إنشائها عام 1921م على يد الملك فيصل بن الحسين, وبمساعدة بريطانية.
ويرى الكاتب أن الحكومة العراقية خلال ثمانين عاماً من إنشائها كانت حكومة مركزية, إلا أن الخطاب السياسي للدولة أو للأحزاب السياسية, سواءً كانت أحزاباً حاكمة, أو معارضة, كان على الدوام خطاباً يقوم على وحدة البلاد ووحدة الوطن, أي أنه خطاب قومي . أما الأحزاب السياسية الجديدة التي ظهرت في رحم الإحتلال فهو يسمها بأنها أحزاب عرقية أو طائفية . وأنها تسعى بشكل أو بآخر إلى تفتيت العراق وتمزيقها إلى ثلاث دويلات صغيرة, وينطبق ذلك على الأحزاب الكردية ومعظم الأحزاب الشيعية والسنية . ويستثنى من ذلك حزب القائمة العراقية التي يرأسها إياد علاوي, حيث تضم شخصيات سياسية شيعية وسنية وكردية, وبرنامجاً سياسياً وطنياً . وكذلك الحال مع جيش المهدي الذي يقوده مقتدى الصدر. حيث لا يمكن أن يكون هذا الحزب إقليمياً, كون معظم مناصريه يعيشون في العاصمة بغداد, وكذلك في الأقاليم الجنوبية, بحيث لو تحقق حلم (عبد العزيز الحكيم) بسلخ الأقاليم الجنوبية من العراق في دولة واحدة, فإن أنصار الحكيم سيكونون موزعين بين المركز والأقاليم المنفصلة في الأطراف.
الإشكالية في العراق بالنسبة (لعديد دويشه) هي إشكالية إيديولوجية تكمن في الخطاب السياسي للنخبة الحاكمة وفي رموزها التقليديين, مثل آية الله السيستاني, الذي يعتبر الأب الروحي لمعظم الأحزاب الشيعية في العراق, وهو الشخصية الرئيسية التي ساهمت في إنشاء ما يسمى باللائحة الشيعية الموحدة التي خاضت انتخابات عام 2005م، على أساس طائفي مثلها مثل الأحزاب الكردية التي بنت برامجها السياسية على أساس عرقي.
وإذا ما تابعنا التحليل والنتيجة المنطقية لكلا البحثين, فإن النتيجة المنطقية لمقال (موللر), بالرغم من عدم بوحه بذلك, هو أن تقسيم العراق على أساس عرقي أو رسّي أو طائفي أمر محتوم, وهو أهون الشرور, إلا أنه سيكون أمراً مكلفاً لأنه يتطلب تواجد قوات حفظ سلام (أمريكية أو دولية) بميزانيات ضخمة, وهزال اقتصادي, كون هذه الدويلات لا تمتلك الأسواق الواسعة الضرورية للتطور الصناعي.
أما (عديد دويشه) فهو يقول بكل صراحة ووضوح أن المشروع الفيدرالي في العراق هو مشروع فاشل, فهو إما أن يقود إلى قيام كيانات إقليمية صغيرة, أو أن يتحول إلى قيام دولة مركزية ضعيفة.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 119 مسافة ثم الرسالة