حلاوة
المكافآت مهمة مهما كانت صغيرة أو بسيطة...ومن المهم ألا ننسى مكافأة من يكرموننا وما أكثرهم...ومن المهم أيضا أن لا ننسى أن نكرم أنفسنا على الإنجازات...وبالنسبة لي شخصيا فإكراميتي لإنجازاتي الشخصية اليوم تتبلور في رغيف حار طازج وقطعة ضخمة من الحلاوة الطحينية المزينة بالمكسرات الخضراء والذهبية...لونها وملمسها ورائحتها هي عبارة عن تحف فنية للعديد من حواسي المختلفة...وأما الطعم فكلنا نعرف أنه صعب الوصف فهو لا يتخاطب مع أحاسيسنا، بل يصرخ فيها...وخصوصا لو أطفأت هذا الصراخ ببعض الشاهي الأحمر بلون “عين الديك” بشرط أن يكون حارا جدا...وهكذا الحلويات المميزة...ومن المكونات الرئيسة للحلاوة الطحينية، بل والحلاوة بشكل عام نجد تركيبة كيميائية عضوية هي عين السهل الممتنع...هي عبارة عن ست ذرات كربون، وست أوكسجين، ودرزن هيدروجين وهي مكونات الجلوكوز...وسنجد أيضا بعض أنواع السكر الأخرى مثل سكر “الفركتوز” الذي يزين حلى العسل والفواكه...وعندما يتحد سكر الجلوكوز والفركتوز يكونان سكر “السكروز” الذي نستخدمه في تحلية الشاهي والقهوة و”الشوربيت” والططلي واللدو وملايين المنتجات الأخرى... وبالرغم من روائعها المتعددة الجوانب، نجد أن السكريات تحتوى على بعض الجوانب العلمية والتاريخية العجيبة...وبكل بساطة فقد غير السكر تاريخ البشرية تغييرا جذريا بدءا من القرن السادس عشر...فإلى ذلك الزمن، كان العسل هو المصدر الأساس للحلى وكان قصب السكر، والبنجر ومصدرهما الشرق الأوسط وآسيا من مأكولات الأغنياء...ولكن بالرغم من السعر المرتفع، ارتفع الطلب سنويا بشكل أقوى من ارتفاع الطلب على النفط اليوم... وتحول موضوع السكر إلى مصالح كبرى ليس على مستوى التجار فحسب، بل على مستوى دول بأكملها... وأبعد من ذلك فقد فتح موضوع السكر أحد الملفات الإنسانية الأساسية في تاريخ البشرية...أدرك الأوربيون الذين استوطنوا المستعمرات الجديدة في الأمريكيتين أن الأراضي هناك كانت خصبة لزراعة قصب السكر لإشباع الطلب الجنوني على الحلويات في العالم...المشكلة أن زراعة القصب وإنتاج السكر كانت تتطلب أيدي عاملة بأعداد هائلة غير متوفرة في أوروبا، بل لم تكن متوفرة في المستوطنات الجديدة...والحل؟...أفريقيا طبعا...بدأت تجارة رقيق كما لم يشهد العالم من قبل لتوريد أعداد ضخمة من الغلابَى الأفارقة عبر المحيط إلى الأراضي الجديدة في أمريكا الشمالية والجنوبية لزراعة القصب وإنتاج السكر...اشتركت في هذه الحملة القوى العظمى آنذاك وهي انجلترا وفرنسا وهولندا وأسبانيا والبرتغال...وكانت رسالتها الضمنية “الرقيق مقابل الحلوى”...ويقدر بعض المؤرخين حجم العبيد الذين تم شحنهم من أفريقيا للأمريكيتين للعمل في مزارع السكر خلال ثلاثة قرون بأكثر من عشرين مليون إنسان...ولا يشمل هذا العدد ملايين من ضحايا الرحلة التعيسة من أفريقيا عبر المحيط الأطلسي إلى أمريكا...وقد ساهمت هذه التجارة المربحة ماديا، والخاسرة إنسانيا ، في تكوين ثروات وقوة أوروبا بالذات في القرن الثامن عشر...وفى الواقع فقد أدى تراكم مقدار السيولة الضخمة في المساهمة الفاعلة في دعم الثورة الصناعية في إنجلترا والثورة الفرنسية...ويقال ان السكر قد تسبب في إضافة السعادة لسكان العالم باستثناء أفريقيا التي خسرت أعدادا كبيرة من أهلها الذين تم استغلالهم كعبيد، كما خسرت أمريكا جزءاً كبيرا من أراضيها الزراعية لزراعة قصب السكر.
أمنية
أتمنى أن نتذكر دائما التكاليف الإنسانية التاريخية والحالية للمنتوجات التي نستخدمها...فكر في ذلك عندما تضع السكر في فنجان الشاي أو القهوة القادمين...وأما بالنسبة لي فكل هذا التاريخ مشمول بفضل الله في استمتاعي بالحلاوة الطحينية...هذه النعمة العظيمة ذات بعض الجوانب التاريخية الداكنة
والله من وراء القصد.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 122 مسافة ثم الرسالة