في العمق
انحراف علمي للفئة الضالة
د.جميل اللويحق
مع مرور الوقت وظهور آثار بعض التوجهات والآراء فقد آن لمن سلك طريق العنف العلمي والعملي ممن انتهج سبيل المواجهة الممتدة والمتصاعدة أن يقف مع نفسه ليطرح عليها هذا السؤال العميق والملح (ثم ماذا)؟
لقد اكتوى مجتمعنا بنار هذا التوجه وخاض مواجهة مريرة مع هذه الفئة الضالة التي تحولت من مشروعها في البقاع الساخنة من العالم الإسلامي إلى مواجهة مجتمعنا المسلم في اقتصاده وأمنه، في انقلاب مفاهيمي مدمر لا يمكن تبريره تحت أي حجة أو تعليل، وخلف أي لافتة أو عنوان، بل هو انحراف علمي منهجي وتهور عملي ميداني، وهو جر للمجتمعات المسلمة إلى حالة من الضياع والفوضى بحيث تصبح في نهاية المطاف لقمة سائغة لكل قوة معتدية غاشمة متربصة وتمكينها من التحكم بالأمة المسلمة من خلال اضعافها وانهاكها.
إن وجود خلل في جوانب من حياة المجتمعات المسلمة ليس سببا شرعيا ولا عقليا يبيح استهدافها بحرب معلنة تحرق الأخضر واليابس، وتدمر مقومات الحياة الكريمة لها، وليس من الإصلاح في شيء تفجير المنشآت وقتل الآمنين والمستأمنين وإشاعة الخراب والدمار.
وإذا كان أعضاء الفئة الضالة لا يريدون إدراك خطأ مسلكهم من الناحية الشرعية، ولا يريدون النزول عند ما توافق عليه السواد الأعظم من أهل العلم على اختلاف مشاربهم، وعلى تنوع مواقعهم فإننا ندعوهم إلى شيء من إعمال عقولهم في ثمار خيارهم الذي سلكوه ونتائج منهجهم الذي اتبعوه، ما الذي حصدوه بعد هذه الأعوام الساخنة المليئة بالصدامات والمواجهات سوى سقوط الأبرياء وذهاب الأموال ونشر الخوف وبث الشكوك في نفوس الناس من دعاة الخير عموما، ما الذي جنوه سوى انحسار الدعوة إلى الله ووضع مشروعها السلمي الرحيم في مهب الريح، ما الذي استفادوه سوى تمكين كل موتور من نفث سمومه وأحقاده مستفيدا من هذه التصرفات الهوجاء . إن خلط المفاهيم الذي تميزت به المرحلة الماضية لدى هؤلاء قد تجاوز حدود الخلاف المقبول الذي يحتمل التأويل ويسوغ فيه الإعذار إلى أن ساق الغالبية العظمى إلى أن تقف صفا واحدا في مواجهة هذه الحالة وتعلن موقفها من هذا الانحراف والغلو المجافي للدليل الشرعي، والمعارض للنظر المصلحي، والمفضي للمفاسد الكبرى، ولقد آن الأوان لكل متأثر بهذا المسلك أن ينظر نظرة تأمل ومراجعة لموقفه في توصيف حالة الأمة والمجتمع المحلي شرعا، وفي ما تبناه من موقف بناء على ذلك، وفي مفهومه للجهاد، وفي حدود الواجب المتعلق بأفراد الأمة، لقد آن أن يراجع التأريخ البعيد والقريب وكيف كانت عاقبة حمل السلاح وإشهار السيف في المجتمع المسلم، لقد آن الأوان لأن ينظر بعمق وتجرد لمآلات هذه الأعمال وعواقبها، بعيدا عن التصورات القاصرة للواقع وبعيدا عن العاطفة والانفعال المبتعد عن حدود الشرع وضوابطه ومقاصده.
على أعضاء هذه الفئة الضالة أن يقرأوا ما سطره منظرو الجماعة الإسلامية في السجون المصرية في مراجعاتهم، فإن نظروا إليها بعين الشك فلينظروا إلى ما جرى على ذلك الخط والمنهج من أحداث وما انتهى إليه من نتائج.
وهي ليست دعوة -معاذ الله- إلى نكوص أو انحراف مقابل، ولكنها الدعوة إلى التوسط الذي تدل عليه نصوص الشريعة عامة وخاصة، والذي يدفع الناس والأنظمة إلى الخير ويقربهم من طريقه، ويعينهم عليه في رحمة وشفقة وحرص، وفي حكمة وصدق ونصح يتحقق به إبراء الذمة، ويسقط به واجب البلاغ ويتوافق مع سنن الله في الإصلاح.