ضــوء
رعاة الإرهاب
جمال سلطان
أصابتني دهشة شديدة وأنا أطالع البيان الصادر عن وزارة الداخلية السعودية بخصوص تفكيك خلية إرهابية مكونة من عدة خلايا كانت تستهدف عددا من منشآت النفط في المملكة إضافة إلى بعض المراكز الأمنية، هالني العدد الكبير من المتورطين في تلك الجريمة، والذي تجاوز الخمسمائة شخص من جنسيات مختلفة، وكذلك كمية السلاح الذي تم ضبطه والمبالغ المالية الكبيرة نسبيا التي تم الوصول إليها وكانت مرصودة لدعم هذه المخططات، بما يعني أن هناك إصرارا من جهات معينة على استهداف أمن واستقرار المملكة تحديدا، وأن تلك الجهات لا تيأس من تمويل ودعم ورعاية هذه الجرائم والمشروعات الإرهابية رغم الإحباطات التي أصابتها وأفشلتها بفضل الله تعالى ثم بيقظة رجال الأمن، وهذا ما يحتاج بالفعل إلى تفسير، لأن بلدا عربيا في المشرق كله لم يتعرض لمثل ما تعرضت له المملكة من مؤامرات وجرائم تتمسح بالإسلام مع الأسف، وإذا كان من توفيق الله تعالى لرجال الأمن في المملكة نجاحهم المذهل في إبطال هذه الجرائم وتفكيك تلك الخلايا، فإن قناعتي الشخصية أن تلك المخططات ليست من مجرد مجموعات من الشباب المغرر بهم وانتهى الأمر، وإنما تلك الجهود التخريبية الضخمة تقف وراءها دول ذات إمكانيات، تمثل المحرض والراعي للخلايا الإرهابية، ولا تريد الاستقرار ولا الأمن ولا الأمان لمحضن الحرمين الشريفين، وقد سرتني بالفعل تصريحات لمصدر أمني سعودي كبير نشرت الأسبوع الماضي تشير إلى أن التحقيقات أثبتت أن دولة إقليمية كبرى في المنطقة كانت لها يد في تلك الجريمة، وأن الجزء الأكبر من التمويل والإعداد وتسهيلات الحركة كان يتم عبر أراضي تلك الدولة، وأنا أجزم ـ على مسؤوليتي الشخصية ـ بصحة ودقة هذا الكلام، ورغم تحفظ المصدر الأمني على ذكر اسم الدولة صريحا إلا أن الجميع يعرف من هي، وهناك تقارير غربية عديدة تشير بالاسم إلى تلك الدولة التي أصبحت أكبر راع للإرهاب في المنطقة، وهي الداعم الأبرز لمعظم الأعمال التخريبية والإرهابية التي تمت في منطقة الخليج العربي على وجه التحديد خلال العشر سنوات الماضية، والأدلة متضافرة وموثقة، ورغم روح الانفتاح السياسي والديني والفكري التي أبدتها القيادة السياسية للمملكة العربية السعودية تجاه تلك الدولة إلا أن مؤامراتها لم تتوقف ولم تنته، وهناك محاضن فكرية وأمنية وعسكرية موجودة حاليا في تلك الدولة، لمجموعات مسلحة تخطط لأعمال عنف وتخريب وإرهاب في دول عربية رئيسية، وخاصة المملكة، وهناك شهادات قدمت في هذا الإطار وموثقة، كما أن “المرض” والأحقاد التي تحرك هؤلاء وصلت بعمليات “غسيل المخ” إلى مستويات غير معقولة، حيث يتم التحريض على الاعتداء على المنشآت المدنية ورجال الأمن وحتى علماء الدين أنفسهم الذين يتلقاهم الناس بالقبول، وإني لأتمنى أن يتم لاحقا نشر فصول من التحقيقات مع تلك الخلايا الإجرامية من أجل اطلاع الرأي العام المحلي والعالمي على تلك الأبعاد كلها، كما آمل ـ بالتوازي مع الردع الأمني الصارم ـ أن تتواصل عمليات التصويب والتصحيح الفكري والسياسي أيضا مع هؤلاء الشباب المغرر بهم، لأنهم قد لا يدركون أن بمثل هذه الأعمال الخاطئة شرعا وخلقا وإنسانية، إنما يقدمون خدمة كبرى لأعداء الأمة، والمتربصين بها شرا، وأنهم ما هم إلا وقود في تلك النار التي تستهدف مقومات دينهم وعقيدتهم وأمن المسلمين جميعا، وليس فقط أمن المملكة، أسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين من كل سوء، وأن يلهم شباب الأمة الرشد والبصيرة التي تحميهم من نزغات الشر ومؤامرات الأحقاد التاريخية.
* مفكر اسلامي