زاوية منفرجة
جعفر عباس
كتب لله يا محسنين
يلاحظ كثيرون من القراء، وأحيانا باستنكار، أنني استلهم أفكار مقالاتي من مصادر غربية، ولكن ما حيلتي؟ هل أنا الوحيد الذي يعتمد على الغرب في مجال المعرفة ومواكبة الأحداث؟.. على كل حال فقد اعترفت مرارا بأنني اقرأ يوميا وبانتظام صحيفة أو مجلة بريطانية/أمريكية.. وكان ذلك بعد ان اكتشفت أن أفضل مصدر لمعرفة ما يحدث في بلداننا هي وسائل الإعلام الأجنبية.. نحن نغطي الجروح المتقرحة بالأقمشة المزركشة.. ونعالج السرطان بالأسبرين.. وعندما تكشف وسائل الإعلام الغربية سوءاتنا نتهمها بالتحامل علينا.. ما علينا.. تحدثت بالأمس عن طرحي لمشروع اقامة وتعمير مكتبات عامة في السودان، واعترف هنا بأن ما استفزني الى ذلك هو الأمريكي جون وود، الذي كان مديرا لمكتب شركة مايكروسوفت العملاقة لبرمجيات الكمبيوتر في بكين، وفي ذات إجازة زار قرية هندية في سفح جبال الهملايا وأحزنه ان مكتبة مدرسة القرية ليس فيها طاولة او كرسي أو “كتاب”.. غادر الخواجة وود الهند، ثم عاد الى القرية حاملا 3000 كتاب على ظهور البغال، ووزعها على أربع مدارس في المنطقة، ثم سافر وعاد الى الهملايا مرة أخرى مصطحبا والده البالغ من العمر 73 سنة ومعهما 3000 كتاب كلها من تبرعات الأصدقاء.. وشيئا فشيئا اكتشف وود ان الأمر لا يتعلق فقط بالكتب بل بعدم وجود مدارس “حقيقية” تقدم التعليم والمعرفة، هل تعرفون ماذا كان قراره للإسهام في حل هذه المشكلة؟ استقال من عمله، أي اصبح خالي شغل وأسس منظمة اسمها “غرفة للقراءة room to read”.. خلال السنوات الثلاث الماضية افتتحت المنظمة 444 مدرسة في افريقيا وآسيا.. وبنهاية عام 2008 الجاري سيرتفع عدد المدارس الى 700، بينما بلغ عدد المكتبات التي اسستها سبعة آلاف مكتبة.
اجتهدت في الحصول على عنوان جون وود عبر الانترنت وخاطبته في شأن مسعاي لإنشاء مكتبات في قرى السودان وأحياء الفقراء في المدن فكان رده: ابدأوا العمل وخلوا الباقي علينا.. سياستنا هي ان يشارك السكان المحليون في كل جهد ونكمل نحن النقص.. وهكذا لجأت الى المكتب الثقافي للجالية السودانية في قطر لتنظيم حملة جمع الكتب وفي ليلة واحدة جمعنا أكثر من 2000 كتاب.. وأدهشني وأسعدني ان معظم محبي القراءة يتحمسون للتبرع بالكتب (طالما أنك لا تجيب سيرة او طاري الفلوس).. جامعة قطر تبرعت لنا بمئات الكتب والمجلس الأعلى للتعليم أعطانا كميات ضخمة من الكتب الأكاديمية.
ليس غايتي هنا مدح نفسي، رغم انني سعيد جدا بما أنجزته وأحلم بجمع نحو 20 ألف كتاب من قطر وحدها.. غايتي هي مناشدة كل من يملك مكتبة خاصة ان يتبرع لنا ببعض الكتب.. الحملة لا تقتصر على السودانيين ولكن على السودانيين ان ينظموا سبل جمع وتخزين الكتب... ولو فكرت مجموعة من الناس في إنشاء مكتبة في قرية ما في السعودية او البحرين او اليمن فإنني أعاهدهم على بذل كل جهد لإنجاح مسعاهم... فالقراءة للجميع أهم من شعار هلامي مثل “التعليم للجميع” ونحن نعرف ان مدارسنا صارت عاجزة حتى عن تعليم القراءة.. لتكون قارئا لابد ان تكون “عصاميا” فما من جامعة تنجب شاعرا او مفكرا.. فمعظم المواهب لا تتفتح إلا بالجهد الذاتي.
jafasid09@hotmail.com