صلاح الدين الدكاك
تسقط التفاحة .. يعيش نيوتن!
لدي لكل سؤال إجابة. تلك ورطة مقيتة، كثيراً ما أقع فريسة لها في الأونة الأخيرة.
ـ أجدني ، على سبيل المثال مندفعاً لصياغة إجابات على أسئلة من نوع :
في أي ساعة بالتحديد ستنقشع إسرائيل عن الخارطة العربية؟!
هل توجد حياة على كوكب المريخ؟!
متى سيدخل كوكب الأرض عصره الجليدي الثاني؟! وتندثر الحياة على سطحه؟
.. أرأيتم حجم الورطة؟ّ!
ـ مبعث مجافاتي بتقديم إجابات خرقاء ليس الإدعاء بالطبع .. بالأرجح أنها الرغبة في وضع حد لأسئلة خرقاء هي الأخرى، أو مسايرة المحيط بالتجديف كيفما اتفق (من سيحاسب من في نهاية الأمر؟).
أو لعلها حاجة العربي بين الحين والآخر للاطمئنان على فاعلية جهازه الصوتي باعتباره أثمن ما يملك؟!
نحن بطبيعة الحال مجتمعات متخمة بالإجابات ولا تعاني قلق الأسئلة إلا حين يتعلق الأمر (بالدولة).
ـ قال لنا المعلم ذات يوم: حيرة الغرب إزاء مأزق وجوده هي التي أوصلته إلى كل الاكتشافات المائية أمامنا اليوم في الكون والحياة، أما نحن فإن وجودنا ليس مأزقا لنحتار إزاءه، لذا فإنه لا حاجة بنا لاكتشافه .. نحن باختصار نعرف سلفاً ما كان وما سيكون!.. هل نحن كذلك بالفعل؟!
ـ في الحقب التي كانت فيها البشرية متخلفة وجاهلة، كانت الإجابات مبذولة على قارعة الطريق، أما زمن العلم فهو زمن الاسئلة الباهظة الكلفة، زمن “الحيرة التي تضيء” حد وصفها أحدهم!
ـ لعل الحنين إلى الطفولة ليس ـ في أحد دوافعه ـ إلا حنيناً إلى حيرة لذيذة افتقدناها حيال الأشياء حين صرنا كباراً مطمورين بالتفسيرات الهشة والثقيلة.
إن استرخاءنا لهذه التفسيرات يسلبنا القدرة على الاندهاش لأي شيء .. بمعنى آخر يسلب الحياة لذتها فتغدو مجرد انزلاق بطيء صوب الزوال، وهذا يرعبنا!
ـ سقطت التفاحة، ولا ريب على مرأى من ملايين البشر، لكن وحده “إسحاق نيوتن” كان قادراً على اكتشاف الجاذبية، لأنه كان قدراً على أن يسأل: لماذا تسقط الأشياء إلى أسفل لا إلى أعلى؟!.. الآخرون مضغوا التفاحة فقط وتجشأوها حمداً.
ـ الطفولة هي نافورة الأسئلة الساذجة والبدهية، وهذه الأسئلة بالذات (أي الساذجة والبدهية) هي التي قادت المتمادين في طرحها على أعظم نظريات العصر.. هل يمكن العودة في مجرى الزمن إلى الوراء والذهاب إلى الأمام، إلى أبعد من اللحظة التي نعيشها الآن؟! تساءل “أينشتاين” وتساءل عباس بن فرناس هل بوسعي أن أطير ؟! أما “سقراط” فكان يبدو للدهماء ساذجاً وهو يكيل عليها الأسئلة المعروفة الإجابة سلفاً، فيما هو يؤسس لمذهب من أهم مذاهب الجدل في الفلسفة الإغريقية.
ـ يروى الشاعر اليمني الراحل عبدالله البردوني قصة رجل كان ينتقل بين القرى مفتياً في كل علم من العلوم مقابل الهبات والطعام، وقد لجأ الشاعر إلى حيلة طريفة لفضحه أمام المؤمنين بسعة اطلاعه فسأله ماذا تعرف يا شيخ عن (نخلة بنت عامر)؟! فأجاب: إنها صحابية جليلة أسلمت في السنة “الفلانية” للهجرة وشهدت كذا وكذا وتوفيت في السنة الفلانية و .. انفجر البردوني ضاحكاً قاطعاً على الشيخ استرساله في الخرف، وحين سئل عن سبب ضحكه الذي بدا للحاضرين عدم تأدب، قال: نخلة بنت عامر هي ببساطة أمي..
أخشى أن أصبح ذلك الشيخ
Salah_aldkak@yahoo.com