زاوية منفرجة
جعفر عباس
هزمنا الطليان والأسبان
كتبت هنا قبل نحو شهر، معربا عن حزني لعدم وجود أي دور للمكتبات العامة في حياتنا، وكنت قد زرت في فبراير الماضي كلية الآداب بجامعة الخرطوم أم الجامعات السودانية البالغة من العمر 104 سنوات، حيث تلقيت تعليمي، وحزنت لحال مكتبتها.. حزنت لاختفاء مكتبتها.. على ايامنا كانت لكل كلية مكتبة خاصة تغنينا عن المكتبة الأم حيث أمهات الكتب وحيث الدهاليز الطويلة المعتمة التي تذكرك بأفلام هيتشكوك.. وتذكرت أنني وفي معظم مقالاتي أنقد هذا المسلك أو وجه القصور.. نعم من السهل ان تلعن الظلام، رغم أنه من الأفضل والأجدى ان توقد شمعة تقهر بها الظلام.. وهكذا طرحت في صحيفة سودانية اقتراحا بتنظيم حملة عالمية لجلب الكتب الى مدن وقرى السودان لـ”إحياء” عادة القراءة في بلد صار فيه حفظ الأمن “أكبر بند” في ميزانيته العامة،.. حركات تمرد في كل ناحية ولا ترضى بالصلح ووقف الاقتتال إلا بعد الفوز بقضمة كبيرة من ثروة شحيحة أصلا.. وهكذا اكتشفنا ان كلفة السلام في الجنوب والشرق والغرب أعلى وأغلى ماديا من كلفة الحرب.. وفي ظروف كهذه تكون الثقافة والمعرفة في ذيل أولويات الحكومة.
ولأننا نقول في السودان ان “السواي مو حداث”، أي ان من يريد ان يسوي (يفعل) شيئا ما، لا يكون حدَّاثا أي كثير الكلام والحديث، فقد اتصلت بنفر من الأصدقاء المقيمين معي في دولة قطر لتنظيم حملة لجمع التبرعات: لا نريد فلسا او مليما من احد، فقط نريد من الناس ان يتبرعوا بكتب من مكتباتهم الخاصة.. ولهذا الغرض نظمنا ندوة في احد الأندية وناشدنا كل من يأتي الى الندوة ان يحمل معه بعض الكتب.. ولكن الطليان والأسبان تآمروا علينا.. حقيقة الأمر ان ضحالة ثقافتي الكروية هي التي جعلتنا ضحية المؤامرة، فقد حددنا للندوة يوم الأحد الموافق 22 يونيو الجاري ولم نكن نعرف ان الطليان والإسبان سيلتقون في مباراة كرة قدم في إطار البطولة الأوروبية في تلك الليلة.. لم ننتبه لهذا الأمر إلا بعد ان لاحظنا ان الكثيرين ممن ابدوا حماسا لمشروع المكتبات تغيبوا عن الندوة، فما كان مني إلا ان رفعت يدي بالدعاء ليخسر الفريقان المباراة.. قال بعضهم ساخرين: لم يحدث قط ان خسر فريقان مباراة معينة هما طرفاها، ولكنني قلت لهم إنني أسأل الله ان ينتهي الوقت الأصلي للمباراة بالتعادل وان ينتهي الشوطان الاضافيان بالتعادل، وان تستمر ضربات الجزاء الترجيحية بالتعادل الى ان يسقط لاعبو الفريقين من الانهاك ويتم نقلهم الى المستشفيات، ليكتشفوا ان الاطباء غائبون عن العمل لأنهم تسللوا وتسيبوا لمتابعة المباراة.. لا أعرف شيئا عن نتيجة المباراة ولكننا جمعنا في تلك الليلة نحو الفي (2000) كتاب، وهكذا انتصرنا على الطليان والأسبان.
jafasid09@hotmail.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم
88548 تبدأ بالرمز 151 مسافة ثم الرسالة