احمد عائل فقيهي
الكتابة بحبر الحنين
[1]
فيما استعيد أزمنة هاربة من الذاكرة.. وفيما أحاول اعتقال تلك الأزمنة وما تحمله من ذكريات مغسولة بالمضيء والبهي.. بالجميل والنبيل.. والجارح والمؤلم.. فيما تذهب بي الذاكرة.. في رحلة في الماضي حيث كل شيء أكثر صفاء.. وأكثر نقاء.. وأكثر حميمية وألفة..
.. إن الانسان لحظة.. والانسان ذكرى - والانسان هو مجموعة من المواقع.. والمواقف. المواقع التي من خلالها يتحرك.. ويعمل.. وينجز.. يأتلف الناس ويختلفون حوله والمواقف التي منها وفيها تبدو صورة ذلك الانسان أجاءت هذه المواقف ناصعة ونبيلة وراقية ومنحازة للناس.. والمجتمع والقيم والأخلاق.. وتتجلى عبرها نظافة اليد واللسان والسلوك.. أم جاءت عكس ذلك.. منحازة للمصالح الشخصية.. والاستحواذ على كل شيء من خلال استغلال الموقع.. والمركز.
.. نعم الانسان ذاكرة وذكرى وبين الذاكرة والذكرى ثمة مسافة تطول وتقصر من الفهم والوعي والعمر والتجربة..ثمة أمكنة تتحرك.. وثمة أزمنة تتحول وتتبدل.. إنها المسافة بين لحظة الانتصار ولحطة الانكسار.. بين زمن الامل وزمن الألم.. بين أن تكون أو لا تكون.
اليوم وأنا احاول اعتقال تلك الأزمنة واحتضان تلك الأمكنة.. أبحث عن ذاتي في ذاتي.. أبحث عن الضائع والتائه والشارد والمسافر في الفضاءات البعيدة - والسماوات العالية جدا والشاهقة وفي كل ما هو مرئي - ولا مرئي - في “الذي يأتي ولا يأتي”.
[2]
ما بين حي “الحافة” وساحة “الميدان” في مدينتي جيزان.. ما بين مدرسة “الشامية”.. الابتدائية.. و”المُدرجْ” الذي يؤدي الى كل البيوت.. في الحارة الواحدة - ما بين ذلك الساحل الممتد.. والبحر.. ووجه أبي الطالع من بين الوجوه التي تشقى وتعرق لكي تعيش بشرف وتلك “الحواري” والأشرعة التي تؤذن بالرحيل الى الجزر البعيدة بحثا عن الرزق.
.. وما بين طفولتي الضاجة والمغسولة بالألم والأمل.. أبحث عن تلك الذكريات وأبحث في ذاكرتي.. عنها - لكي أضيء ما تبقى وكأن ذلك يعني محاربة لحظة الموت.. في مقابل لحظة التذكر.. كأن الامكنة الأولى.. بكل بدائيتها وبساطتها من “العشة” و”العريش” و”الزرب” والغرف الاسمنتية هو ما يعوضنا عن حالة الترف والاسترخاء.. كأن الذكرى هي ذاكرة اخرى في مقابل زمن يتشظى ويفنى ويتلاشى.. وفيما نحن نرحل لنسرق ذكرياتنا من الماضي البعيد فيما نحن نقاوم الموت.. ونقاوم الفناء ونقاوم النسيان .. وفي مواجهة زمن ممتلئ بكل شيء.. القليل في العمق.. والكثير في السطحي.. القليل في الرائع.. والجميل والكثير في التافه.. فيما نحن نحاول ان نكون هناك في الزمن الذي مضى.. بكل بساطته ولكنها تلك البساطة المترفة بالحب والصفاء والصداقات الجميلة.
يأخذنا كل شيء الى الاشياء الاولى.. والى الامكنة الاولى وكل شيء يؤدي بنا بالضرورة الى ما نحبه ونعشقه ونشتاق ونتشوق اليه.
[3]
كل شيء ذاهب الى النسيان.. وكل شيء ذاهب الى الامحاء - وعدم التذكر - وكل شيء هو نقيض الشيء الآخر ان الانسان يظل في حياته رهين زمنه.. والأزمنة التي يعيشها.. ومرتبطا ارتباطا جذريا بكل ما حوله وما يحيط به - من كائنات وأمكنة.. والأمكنة الأولى تظل حاضرة.. ذلك الحضور الطاغي.. الحاضرة.. بحضور اللحظة.. ولحظة الحضور.
.. نعم كل شيء يحيلني الى الزمن الأول.. وعندما اسمع أم كلثوم هنا.. غير عن سماعي لها هناك.. انها تحولني وتحيلني الى أصدقاء وزملاء.. بعضهم لازال حياً.. والبعض منهم قد رحل.. اسمعها فأسمع نفسي تنوح وتبكي وأسمع عقلي الذي يحكمني ولا أتحكم فيه - يتضاءل أمام لحظة الفناء - ولحظة الذكرى.. ولا أجد ما يحملني على احتمال حزني وتعبي ومعاناتي.. وتلك العذوبة الممتلئة بالعذاب - انه الزمن الجميل حيث كنت والذي كنته و”أعيش” لا حيث “اعتاش” وبين كينونتي وكياني اكتب الآن.. الآن بحبر الحنين.. لأتذكر وأكتب عن زمن يحاول الهروب من بين اصابعي.. كحبات الرمل.
a_faqehi@hotmail.com