( الأحد 18/06/1429هـ ) 22/ يونيو/2008  العدد : 2562  
بحث تفصيلي
الأرشيف :
  • الرئيسية
  • محليات
    • تحقيقات
    • حوار . نت
    • رحلة الأيام
    • قاع المدينة
    • أماكن
    • أفراح ومناسبات
  • كتاب ومقالات
  • العالم
  • الملحق الاقتصادي
    • أحداث
    • تقارير
    • أسهم
    • حدث
    • منوعات
  • المشهد الثقافي
    • الفنون السبعة
    • كتابة وابداع
    • الذاكرة الشعبية
    • طب وعلوم
    • الفكر الاسلامي
  • المنبر
  • رياضة
  • حوادث
  • الأخيرة
كتاب ومقالات...

شايع بن هذال الوقيان
الإبداع كأساس للحضارة
كثيراً ما أقول: لو أن “ديكارت” مثقف سعودي معاصر فإنَّه, ولا بدَّ, سيكتب مقالاً أو أكثر عن قيادة المرأة للسيارة أو عن التشدد أو عمل النساء ونحوها من المقالات المهتمة باليومي والراهن. ولا بأس في هذا, فقد كان ديكارت بالفعل يكتب في مشاكل التعليم وأحداث المجتمع والسياسة, ولم يصلنا منها سوى آرائه المبثوثة في كتبه الفلسفية والعلمية الشهيرة أو ما تبقى من رسائله لأصحابه وتلامذته.
ولكنه مع ذلك لم يتوانَ يوماً في كتابة “مقال في المنهج” أو “مبادئ الفلسفة” أو “تأملات ميتافيزيقية” وهي كتبه الخالدة التي أثرت تأثيراً كبيرا في الثقافة الأوروبية والعالمية, ولا يزال تأثيرها قائماً إلى يومنا هذا.
فالكتابة في الهموم اليومية أمر مطلوب من المثقف, أو هو فرض كفاية. ولكنه ملزم, مع هذا, بالتبحر أو التخصص في مجال من المجالات أو علم من العلوم, ثم لا يكتفي بذلك, بل يجب عليه أن “يجدد” و “يبتكر” في هذا العلم أو ذاك ؛ لتكتمل دائرة الإبداع الحقيقي. فنحن في بلادنا التي تسير نحو التقدم, وإن كان سيراً بطيئاً, بحاجة ملحة إلى أن تكون لدينا فلسفة وعلم, بل فلسفات وعلوم ونظريات وأفكار وآراء مستقلة.
فهل سيتوفر لدينا مَن يكتب “مقالاً في المنهج” أو ينجز عملاً نظرياً أو فكرياً أو أدبياً ضخماً يجعلنا نتوقف قليلاً عن اللهاث وراء النظريات الفلسفية والأدبية القادمة من الغرب, أو حتى من الشرق (العربي)؟!
من المعوقات الكبرى التي تقف في سبيل “الإبداع الفكري والفلسفي” في أية أمة من الأمم هو انصراف الناس -عامتهم وخاصتهم- عن الفكر والعلم والفلسفة, وانشغالهم بأمور أخرى أرى أنها لن تكون بمثل أهمية العلم والفلسفة اللذينِ هما رأسمال الأمة العقلي. فلا عقل لأمةٍ ليس لديها علمٌ وفلسفة.. كما أنه بالمقابل لا قلب لأمة ليس لها فن وأدب وشعر. ولإزالة اللبس فإنني لا أطلب من الناس أن يكونوا فلاسفة وإنما قليلاً من التقدير والعطف على الفلاسفة والمبدعين, واتخاذهم نماذجَ تربوية وعلمية, والاحتفاء بآرائهم وأفكارهم والاعتداد بها, وليس إهمالها أو السخرية منها أو الارتياب فيها.
تربطُ مدرسة دوركهايم الاجتماعية بين نشأة وتطور وازدهار العلوم والفلسفات من جهة, واستعداد المجتمع وثقافته من جهة أخرى. فكما يرى دوركهايم فإن الإبداع العلمي والفكري ليس فقط من عمل الأفراد العباقرة والمميزين, بل هو في جانب كبير منه من عمل المجتمع نفسه. فاهتمام المجتمع وفئاته بالعلماء والفلاسفة والفنانين, وتكريسهم كقادةِ رأي معتبرين هو الجانب الإبداعي من نشاط المجتمع.
فهل مجتمعنا ذو ثقافة راقية ومتقدمة تسمح له بإنجاب المبدعين؟ أو بعبارة أخرى: هل الروح الاجتماعية والهم الاجتماعي والهاجس الاجتماعي منصب على التقدم العلمي ومهتم بوجود علم وفلسفة وفن.. أم أنه على العكس منصرفٌ تمام الانصراف عن هذا كله؟
للأسف الشديد, إن عناية الناس وعقولهم واهتماماتهم في وادٍ والعلم والفلسفة في وادٍ آخر. إنها ببساطة لا تهتم إطلاقاً بالعلم والفلسفة. فاهتمامات الناس معروفة ولستُ بحاجة إلى ذكرها. كما أن عقولهم مسلوبة, ولستُ بحاجة أيضاً إلى ذكر مَنْ سلبها وعبث بها.
إن غاية كثير من الأفراد أن يكون شاعرا شعبيا أو لاعبا على أن يكون فيلسوفا أو عالما. فالعلماء والفلاسفة والمفكرون مهملون ومهمشون ولا يدري عنهم أحد, ولذا فهم قلة ومعدودون على الأصابع. أما المهرجون فإننا نجد الجماهير تصطف لهم اصطفافا وتصفق لهم بحرارة وتهتف باسمهم في كل نادٍ.. هل أتذكر معكم شعراءَ المليون أو اللاعبين أو أصحاب الدورات التدريبية الساذجة والبرمجيات العصبية المشعوذة والكتب “الأكثر مبيعاً في العالم” التافهة التي يجني منها أصحابها الملايين, في الوقت الذي يظل فيه العالم الحقيقي والمفكر الحقيقي يطلبُ الكفافَ؛ لما يعانيه من شظف العيش وقلة ذات اليد.
حتى المثقفون الآن.. أصبحوا يكتبون في قضايا ومسائل يومية وجماهيرية.. ولا بأس بهذا كما قلنا. ولكن بشرط أن يكتبوا إلى جانب هذه المقالات العابرة “مقالاً في المنهج” أو كتاباً في الفلسفة أو إبداعاً نظرياً في الفن والأدب والمجتمع والاقتصاد..! وإني لكثير الشفقة على مثقفين كبار ومعروفين تركوا الفكر الجاد وراءهم ظهرياً, وأصبحوا يتهافتون على الهراء اليومي.
كما أنهم من ناحية أخرى غير ملومين, فالجماهير لا تمنح الشهرة والمجد والتقدير والمال إلا للمهرجين!
ومتى ما أصبحنا نقف إجلالاً واحتراماً للمبدعين والمفكرين الجادين والعلماء والفلاسفة فإن مجتمعنا سينجب بالتأكيد أفراداً عظماء. فعلى قدر عظمة وثقافة الأمة يكون الإبداع. وأمتنا قادرة على اجتراح الجديد وإبداع المدهش وتخليص العقول من السقوط المر في حضيض السطحية والهشاشة والجهل المركب. إنها تمتلك “ الطاقة الهائلة والاستعداد الفطري “ ولكن ينقصها “ العقلُ المدبِّر “.
إن القيمة الاجتماعية والتقدير الاجتماعي الذي يجنيه شاعر شعبي أو مهرج جماهيري أفضل – لدى الإنسان العادي – من الإهمال الذي يعانيه المفكر والمبدع الجاد. ويا ليت الأمر قد انتهى عند هذا الحد لكُنا في غنى عن كثير من العقبات. ولكننا نجد أن هؤلاء المبدعين والمفكرين محاربون ومفسَّقون.. فهناك فئات معينة تخاف من الرقي الفكري والتطور العلمي – الذي سينتهي دون شك إلى فضحها وإضعاف سلطتها وصرْف الناس عنها – لا تكف, ولو للحظة, عن تشويه سمعة المبدعين, وعن التحذير من الفلسفة والفكر العقلاني. وهذه مصيبة إذا ابتلي بها الفرد, وكارثة قومية إذا تبناها المجتمع بأكمله!
إن كثيراً من المثقفين والفنانين والشعراء والأدباء أصبحوا يخضعون للجماهير ولرغباتهم, بدلاً من أن يكونوا هم صانعي المجتمع وعقله. فالمجتمع كمجتمع يحتاج إلى الصناعة. وهناك بالفعل من يقود بهذا, ولكن إلى أين؟ هل يقاد إلى رحاب الفكر و العلم والفلسفة أم إلى مغاور وكهوف الجهل والتعصب والعنصرية القبلية؟
يرى العالم والفيلسوف الإنجليزي الشهير براتراند راسل في كتابه “النظرة العلمية” أن أوروبا الحديثة “المتقدمة” في كل المجالات ما كانت لتكونَ لو أنَّ مائةً من علماء وفلاسفة القرن السابع عشر قتلوا أو ماتوا في طفولتهم. وقد خصص راسل القرن السابع عشر لأنه قرن اليقظة والصحوة العقلية للمجتمعات الأوروبية. فهؤلاء العلماء والفلاسفة والمبدعون (المائة) يشكِّلون جزءاً كبيراً مما نسميه (عقل المجتمع). وبالتأكيد فهناك في أوروبا أكثر من مائة. فما بالنا نحن لا نملك حتى واحداً؟ ألا تصدمنا هذه الحقيقة التي تجعلني أقرر بكل أسفٍ أننا لا نزال بدون عقل!


للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 118 مسافة ثم الرسالة

طباعة  اكتب رأيك  اخبر صديقك  اتصل بنا 
  عودة للأعلى




مقالات أخرى للكاتب

  • أسرار الفن
  • الحوار بين الجميع
  • روح الأمة السعودية
  • فلسفة الحوار
  • عبقرية محمد حسن عواد

عناوين كتاب ومقالات

  • عشم إبليس بالجنة
  • من يفعل الخير لا يعدم جوازيه...؟!
  • بيت العصيد
    ديمتروف*
  • مــع الفـجــــر
    دكتوراه بألف دولار .. يا بلاش
  • تاريخ «أوباما» و«مكين» في أسطر!
  • الدعوة في الإنترنت.. مجدية أم منفرة
  • صرف مكافآت للصف الثالث ثانوي
  • مشوار
    كان هناك « بلد »
  • على خفيف
    سفراء.. وسفراء!
  • أفـيــاء
    مرة أخرى، ثقافة العصر (2)


محليات - كتاب ومقالات - العالم - الملحق الاقتصادي - المشهد الثقافي - المنبر - رياضة - حوادث - الأخيرة
ارسل ملاحظاتك - كتاب عكاظ - بريد الصفحات - سجل الزوار - نسخة كفية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر ©
جدة: 6760000