د. صدقة يحي فاضل
مراكز الدراسات..؟!
كثيرة هي القضايا والأمور العامة، التي تهم (أو يجب أن تهم) الدولة -أي دولة- خاصة في عالم اليوم، وعالم الغد المقبل، عالم تفجر المعلومات.. إذ لا توجد الآن أية دولة في العالم، إلا وهناك قضايا معينة، محلية وإقليمية وعالمية رئيسة، تهمها -أو يجب أن تهمها.. ذلك الاهتمام أمر غالبا ما يقتضيه الحفاظ على أمنها وسلامتها، وازدهارها. فالهدف الرئيس لأية دولة، هو المحافظة على بقائها، وضمان أمنها، وتحقيق رفاه سكانها.. لأكبر قدر متاح، وبأفضل الوسائل الممكنة. وهذا يتطلب عدة أمور، أهمها: امتلاك المعلومات الحقيقية اللازمة عن الأمور المهتم بها..
هذا ربما يقودنا إلى الإشارة إلى سياسات الدول.. وأساس صياغتها وتنفيذها.. فـ(السياسة) يمكن تعريفها بأنها عبارة عن: أهداف معينة، زائداً الوسائل.. التي يمكن أن تتبع، لتحقيق وحماية تلك الأهداف. إن أهم أهداف سياسة أية دولة- سواء الداخلية أو الخارجية -يمكن حصرها في هدفين رئيسين هما: تحقيق المصلحة القومية (كما يحددها مسؤولو الدولة) أولا. وثانيا: خدمة وحماية، الإيديولوجية (العقيدة) التي يفترض أنها تحكم سلوك الدولة (كما يحددها -أي الأيديولوجية- المسؤولين أيضا، سواء كان ذلك التحديد ديموقراطياً، أو ديكتاتورياً).
ومن هذين الهدفين الرئيسين، تنبثق أهداف سياسة الدولة -أي دولة- الداخلية والخارجية. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، تبرز أمام كل دولة، قضايا ومناطق معينة تهمها.. أكثر من غيرها، من القضايا والمناطق، التي تتعلق بمصالحها، وعقيدتها (سلباً وإيجابا) بشكل أو آخر.. وبقدر أكبر من غيرها.
* * *
والاهتمام في حد ذاته، لا يكفي وحده.. إذ ما فائدة (الاهتمام) إذا لم يقترن بفعل إيجابي، يجعل لذلك الاهتمام مردوداً إيجابياً، على مصالح الجهة المهتمة، أو على مصالح الدولة المهتمة.. المادية والمعنوية (أو المصلحية والعقائدية).
ولعل أهم وأول عنصر من عناصر الفعل الإيجابي الملازم لـ"الاهتمام"، هو محاولة الدولة أن تعرف، بشكل منهجي، كل ما يمكن معرفته، عن تلك القضايا، والمناطق، مما يفيدها في اتخاذ القرارات المناسبة تجاه هذه القضايا.. ولا شك، أن كل دولة من دول العالم، تحرص على أن تكون لها أجهزة حكومية، تقوم بهذه المهمة.. وتزود صناع القرار فيها بما قد يحتاجون إليه من معلومات، عن تلك القضايا والمناطق..
إن أجهزة (المباحث) و (الاستخبارات)، هي أهم تلك الأجهزة.. وهي دوائر لا غنى لأية دولة في العالم عنها.. حيث إن أهمية هذه الأجهزة لا تقل عن أهمية أي مرفق عام آخر، إن لم تفقها. فإذا كان من الضروري إنشاء مؤسسات للدفاع (مثلاً) فإن من الحتمي إقامة الجهاز الاستخباراتي، وتدعيمه، بما يمكنه من القيام بمهامه الجليلة، في خدمة الدولة وشعبها والحفاظ على كيانها وأمنها.. ولا شك أن مجال العمل الاستخباراتي، لأي دولة، هو العالم بأسره.. مع التركيز على القضايا والمناطق التي تهم الدولة -أي دولة- بشكل أكبر وحسب ما يقتضيه تطور الأحداث وتنوع الظروف والأحوال.
* * *
هذا على المستوى الرسمي (الحكومي). أما على المستوى غير الرسمي، فإن الدول المتقدمة تحرص على نشر الثقافة والمعلومات، المتعلقة -خاصة- بالقضايا، والمناطق التي تهمها، بين أكبر عدد ممكن من سكانها، خاصة المثقفين والمهنيين منهم. وهذا ما يمكن تحقيقه عبر عدة وسائل، أهمها: الجامعات، والمعاهد المتخصصة، ومراكز الدراسات..
(Research & Study Center).. وهي موضوع حديثنا اليوم. فالدول الغربية (مثلاً) تهمها جداً منطقة الخليج العربي، وغيرها، لأسباب معروفة. لهذا، نجد أن مراكز الدراسات الخاصة بمنطقة الخليج العربي تنتشر في كل هذه الدول . بعض هذه المراكز ملحق بجامعات ومعاهد، وبعضها مستقل، وقائم بذاته.. كمركز أكاديمي. وقس على ذلك كثيرا من المناطق والقضايا، التي تهم تلك الدول..
إن "مركز الدراسات" هو: مؤسسة تهتم بجمع وتحليل المعلومات، بشكل عام أو جزئي (في كل أو بعض مجالات وجوانب الحياة) عن قضية، أو منطقة معينة.. بقصد تعميم فائدة تلك المعلومات.. والاستفادة منها فيما يخدم الصالح العام للجهة المهتمة.
وعادة ما يتكون مركز الدراسات، سواء كان تابعاً أو مستقلاً، من مقر ومتخصصين وخبراء. ويحتوي على: مكتبة متخصصة، ويقوم بدعم الأبحاث الخاصة بالقضية، أو المنطقة، التي يتخصص فيها، ويصدر دورية ومطبوعات متخصصة في موضوعه. كما قد يحتوي على قسم للترجمة.. ويتبنى إقامة الندوات والمحاضرات.. وربما يصل الأمر به إلى إعطاء دورات تدريبية.. كما قد يتطور ليمنح درجات علمية عليا، في مجاله، إن تحول إلى كلية -كما يحدث في بعض الحالات القليلة-..
ونكمل هذا الحديث في الأسبوع القادم، بإذن الله.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 121 مسافة ثم الرسالة