انطلاقة جديدة للشراكة الاستراتيجية بين المملكة وأسبانيا (4)
السلام والتعاون الثنائي عنوانان مهمان في محادثات مدريد
الاحتفاء الرسمي والشعبي بزيارة ولي العهد وتجاوز البروتوكولات يؤكدان عمق العلاقات وتطورها
كتب د. عثمان عبده هاشم - مدريد
أكدت فعاليات زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام في العاصمة الاسبانية مدريد العديد من الثوابت في العلاقات السعودية/ الاسبانية, فهذه الحميمية وتجاوز البروتوكولات والاعراف في مثل هذه الزيارات الرسمية اثبتت بوضوح ان العلاقات بين البلدين تاريخية واستراتيجية على أكثر من صعيد, كما كشفت مدى الاهتمام الرسمي والشعبي بقيادة وشعب المملكة من المسؤولين والشعب الاسباني. ولعل استقبال العاهل الاسباني الملك خوان كارلوس لسمو ولي العهد لدى وصوله الى المقر المعد لإقامة سموه يكشف اهتماما خاصا بسمو ولي العهد من جانب العاهل الاسباني باعتبار ان ذلك تجاوز للبروتوكول المتبع في اسبانيا.. وهذا ما جعل الدبلوماسيين العرب يتحدثون بارتياح لذلك كما أن المسؤولين الاسبان اعتبروها انعكاسا طبيعيا وتجسيدا واقعيا لما تحظى به المملكة ملكا وحكومة وشعبا باهتمام كبير في جميع الاوساط السياسية والشعبية في اسبانيا.
واذا كان العاهل الاسباني جسد الاهتمام الكبير في الاستقبال والاحتفاء بسمو ولي العهد فإن المباحثات الرسمية واللقاءات الثنائية التي جمعت سمو ولي العهد بكبار المسؤولين الاسبان اكدت مدى الاهتمام المتبادل بتطوير العلاقات القائمة بين البلدين الصديقين ومدى الرغبة الثنائية في زيادة التعاون على كافة المستويات ومنها المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والحضاري اضافة الى التنسيق الدبلوماسي تجاه القضايا العالمية ولاسيما ما يخص منطقة الشرق الأوسط تحديدا.
وتعليقا على اجتماع سمو ولي العهد مع رئيس الحكومة الاسبانية خوسيه لويس ثابا تيرو في قصر مونكلوا بمدريد مساء الجمعة الماضي حيث تم تبادل وجهات النظر حول العلاقات بين البلدين الصديقين وسبل دعمها وتعزيزها من جميع المجالات بالاضافة الى بحث آخر المستجدات على الساحة الدولية وجهود البلدين في سبل الاستقرار والسلام في منطقة الشرق الأوسط.. قال مسؤولون في الحكومة الاسبانية ان المملكة تريد دفع عجلة السلام المتعثر في منطقة الشرق الأوسط ولاسيما ان مدريد هي التي احتضنت انطلاقة عملية السلام من خلال مؤتمر مدريد الذي عقد في اكتوبر من العام 1991م وقال هؤلاء المسؤولون ان اسبانيا ترغب في استكمال دورها في تنشيط عملية السلام نظرا لعدة اعتبارات منها استمرار واحياء الدور التاريخي لاسبانيا وكذلك لطبيعة العلاقات المتميزة التي تربط اسبانيا بجميع اطراف عملية السلام في الشرق الاوسط وأشارت الى ان وزير الخارجية الاسباني انجيل موراتينوس يولي ملف السلام اهمية خاصة نظرا لاقترابه كثيرا من هذا الملف بحكم خبراته السابقة كوسيط اوروبي فاعل في عملية السلام، كما ان رئيس الوزراء الاسباني يسعى لتفعيل وتحريك دور الاتحاد الاوروبي في هذا الاتجاه لاسيما ان الاتحاد الاوروبي من الداعمين والممولين للسلطة الوطنية الفلسطينية.
وعلى صعيد الحوار العربي الاوروبي او المتوسطي الاوروبي ترى اسبانيا انه يجب ان يكون لها دور فاعل في هذا الاتجاه لقربها من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط وللعلاقة القديمة والتاريخية بالعالم العربي والاسلامي منذ عهد الدولة الاندلسية ولاسيما ان اسبانيا تزخر بالكثير من المعاهد والمراكز الاسلامية المؤهلة بالمساعدة في تفعيل هذا الحوار خصوصا مع استعداد العالم الاسلامي للبدء في هذا الحوار.
ومما يعكس طبيعة الاجواء التفاؤلية التي واكبت الزيارة عقد سمو ولي العهد سلسلة من اللقاءات المكثفة بمقر اقامته بقصر الباردو مع عدد من القيادات الاسبانية المؤثرة والفاعلة حيث التقى رئيس البرلمان الاسباني خوسية بونو، ووزير الخارجية الاسباني انجيل موراتينوس، كما شهد سموه قبل ذلك حفل العشاء الذي اقامه له العاهل الأسباني خوان كارلوس ثم شهد سموه حفل الغداء الذي اقامه تكريما له ولي عهد اسبانيا الامير فيليب دي بوبورن وذلك بحضور كبار رجال الدولة في اسبانيا والوفد الرسمي المرافق لسمو ولي العهد.
وكل ذلك يعكس الارتياح الاسباني والحفاوة البالغة بسمو ولي العهد في اطار هذه الزيارة الرسمية التي تأكد من خلالها السعي من جانب المملكة واسبانيا على تفعيل العلاقات الثنائية في اطار استراتيجية واضحة من الجانبين ترتكز على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الاخرين واحلال السلام في منطقة الشرق الاوسط وبناء استراتيجية دولية لمكافحة الارهاب مع اجلاء حقيقة الارهاب ومن يقوم به دون إلصاق هذه التهمة بالدين الاسلامي الحنيف او بأي من الديانات السماوية باعتبار ان الارهاب فعل اجرامي لا تقره الاديان السماوية او الاعراف الدولية او علاقات التعايش المشترك بين اتباع الديانات والحضارات المختلفة.
وفي اطار الاهتمام الكبير بزيارة سمو ولي العهد لاسبانيا اعتبرت البعثات الدبلوماسية العربية المعتمدة لدى مدريد ان هذه الزيارة تجد دعما عربيا كبيرا نظرا لان المملكة تحمل قضايا العرب والمسلمين الى جميع المحافل الدولية وتعمل دائما على احتواء المشكلات وعدم تصعيد الخلافات والسعي الحثيث الى تحقيق السلام الدائم والشامل في منطقة الشرق الاوسط مؤكدين في هذا الصدد على اهمية المبادرة العربية للسلام التي قدمتها المملكة الى قمة بيروت عام 2002م ثم أكدت عليها القمم العربية التي تلت ذلك موضحين في هذا الصدد ان جميع الدول العربية ملتزمة بهذه المبادرة وتدعو المجتمع الدولي الى تفعيلها والضغط على اسرائيل للالتزام بها والتقيد بمبدأ الارض مقابل السلام حتى يتحقق التعايش السلمي في جميع ربوع منطقة الشرق الاوسط التي تعد اكثر مناطق العالم توترا.
وراهن احد الدبلوماسيين العرب على اهمية دور المملكة في الدفع باتجاه السلام وقال ان المملكة استخدمت علاقتها المتميزة في الغرب والشرق من اجل هذه المهمة مذكرا بمواقف الملك عبدالله بن عبدالعزيز بالدفاع عن القضية الفلسطينية وحثه الرئيس الامريكي جورج بوش على وقف العنف في قطاع غزة والضفة الغربية خلال زيارته -حفظه الله- الى الولايات المتحدة وما دار من حديث ثنائي بين الملك عبدالله والرئيس بوش في مزرعة الاخير في كروافورد وماتلا ذلك من زيارات للرئيس بوش للمملكة وقال الدبلوماسي نفسه ان سمو ولي العهد خص عملية السلام بمساحة كبيرة من برنامج زيارته لاسبانيا.
والخلاصة تشير كل الدلائل على ان زيارة سمو ولي العهد الى اسبانيا حققت النجاح في جميع الاوجه سواء كانت على الصعيد الثنائي او على الصعيد الاقليمي والدولي واكدت مجددا على رغبة المملكة في الدفع باتجاه الشراكة الاستراتيجية مع دول العالم المهمة ولاسيما الصناعية والمتقدمة منها من اجل زيادة حجم ونوعية التبادل التجاري في ظل عالم لايعترف الا بالتكتلات الاقتصادية والاقتصاديات الكبرى والاسواق الضخمة ولاسيما مع تزايد الازمة العالمية في اسواق الغذاء ومع ارتفاع اسعار الطاقة.. كما تؤكد رغبة المملكة في استقرار المنطقة وإبعاد شبح الحروب عنها.