قضايا معاصرة
مؤتمر قمة روما وأزمة الغذاء العالمي (1)
إن أزمة الغذاء العالمي المتمثلة في ارتفاع أسعار المواد الغذائية وحدة الجوع الذي يصل لأكثر من مليون شخص يمثل تحديًا عالميًا – فهل تنجح قمة روما لمضاعفة الإنتاج الزراعي خلال العشرين سنة القادمة والقضاء على الفقر من خلال حشد الموارد المالية والبشرية الممكنة في الاستثمار الزراعي ورفع معدل الإنتاجية الزراعية في الدول النامية ليكون مماثلًا للمعدل العالمي، التقارير للمنظمات الدولية تشير إلى تفاقم الأزمة مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية حيث بلغ نسبة 45% منذ العام الماضي والسلع الأساسية بنسبة 80% منذ عام 2005 مع العلم بأن الغالبية الساحقة من شعوب الدول النامية تصرف معدل 50-60% من دخلها المنخفض أساسا على الغذاء الضروري للاستمرار على قيد الحياة.
لم نكن نتوقع أن تصل قمة روما كما الحال إلى الاتفاق على حلول جذرية نظرا للتباينات في وجهات النظر حول الأسباب الرئيسة لأزمة الغداء العالمية ومدى تأثير كل عامل بالإضافة إلى المصالح المتناقضة لهذه الدول ولكن نستطيع القول إن المؤتمر جاء يمثل خطوة متقدمة في توليد وعي عالمي لهذه القضايا، لقد تمكن المؤتمر من حشد حوالى 207 بلايين دولار من أطراف عدة للاستثمار في تنمية القطاع الزراعي في الدول النامية ولتلبية احتياجات التنمية المستدامة بالإضافة إلى وعود والتزامات من دول وأطراف للمساهمة في حل أزمة الغذاء، لقد توجت القمة تحالفات بين المنظمات الدولية التي تختص بشؤون الزراعة والغذاء بالأمل إلى إطلاق ثورة خضراء في إفريقيا تهدف لدعم الإنتاج الزراعي وربط الإنتاج المحلي من الأغذية بالاحتياجات المحلية من خلال السعي إلى جمع 15-20 مليار دولار.
وللموضوع بقية.
في ضوء مؤتمر روما المتعلق بالأمن الغذائي والاختلافات في الرؤى نوجز الأسباب الرئيسية لأزمة الغداء كما نعتقد والتي كان من المفترض من المؤتمر أن يعالج جذور هذه الأزمة والتي نوجزها في ما يلي: 1- الطلب المتزايد في الأسواق العالمية على المحاصيل الزراعية نتيجة النمو الاقتصادي المتصاعد خصوصا في الصين وبعض الدول الناشئة التي كانت مصدرًا لتصير الغذاء ولكن أصبح إنتاجها موجهًا للاستهلاك المحلي نتيجة زيادة معدل الاستهلاك المحلي للفرد، الزيادة السكانية والتوسع في المدن دفع بالطلب المتزايد على الغذاء. 2- سياسات الوقود الحيوي التي تنتهجها كل من أمريكا والاتحاد الأوروبي والبرازيل استنزاف كميات كبيرة من المحاصيل الزراعية خصوصا الحبوب والذرة وقصب السكر وتحويلها إلى وقود حيث تعتبر أحد أسباب أزمة الغذاء العالمية الراهنة. 3- الدعم الهائل التي توجهه الدول الغربية للقطاع الزراعي والذي يبلغ مليار دولار في اليوم الواحد يقضي على تنافسية المحاصيل الزراعية للدول النامية والذي في الكثير من الحالات غير مدعوم حكومي ويواجه الكثير من القيود المثقلة عليه وبذلك يجد صغار المزارعين من الأفضل التخلي عن الزراعة والهجرة للمدن. 4- الارتفاع الكبير في أسعار النفط حيث أصبحت الزراعة الحديثة تعتمد أكثر من الماضي على الطاقة لإنتاج الأسمدة الكيماوية وتشغيل آلات الحرث والحصاد بالإضافة إلى وسائل النقل وبذلك ارتفاع أسعار النفط قد دفع إلى زيادة أسعار المواد الغذائية. 5- الجفاف الذي أصاب مناطق معروفة بإنتاجها الزراعي قد خفض من إنتاجها مثل استراليا البلد الثاني لتصدير القمح عالميًا حيث عمل ذلك على تقليص الكميات المصدرة، كل هذه الأسباب مجتمعة دفعت بالارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية. مسؤولية أزمة الغداء تتحملها الدول الغربية في الكثير من الجوانب والدول النفظية المصدرة ولكن لا يعفي ذلك السياسات الخاطئة للدول النامية، فمسؤوليات الأزمة تقع على كاهل المجتمع الدولي وكل دولة وطرف يتحمل جزءًا من المسؤولية بنسب متفاوتة من هذه الأزمة، على حكومات الدول النامية أن تسعى بجدية لتطوير قطاع الزراعة وحشد كل الإمكانات لأجل الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية الرخيصة بالنسبة للمستهلك وتفعيل حوافز الاستثمار في الزراعة، على العالم أن يدرك أهمية الزراعة والصناعات الغذائية وضرورة تكثيف الاستثمار في هذا المجال ووضع الخطط الكفيلة لمواجهة الأزمة، بالرغم من نواقص المؤتمر، التحدي الرئيسي يظل كيفية تحويل شعارات وأهداف وخطط مؤتمر روما إلى عمل.
تيسير الخنيزي
أستاذ الاقتصاد السياسي
tayseer_6@hotmail.com
تيسير الخنيزي
أستاذ الاقتصاد السياسي
tayseer_6@hotmail.com