أشاد برعاية خادم الحرمين الشريفين للمؤتمر ..الامين العام لرابطة العالم الاسلامي لـ «عكاظ» :
الحوار ليس بدعة بل استجابة لأمر قرآني و اقتداء بالسنة واعتراف بالتنوع
حاوره -طالب بن محفوظ
يرعى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز- حفظه الله- بعد غد الاربعاء افتتاح المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار الذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي بمشاركة 500 عالم ومفكر وفقيه ومسؤلوا المراكز والجمعيات الاسلامية في بلاد الاقليات. "عكاظ" التقت في حوار خاص الأمين العام للرابطة الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي الذي أكد أن خادم الحرمين الشريفين حريص على اجتماع علماء الامة لمناقشة القضايا الإسلامية المهمة المتعلقة بقضايا الامة .. و الرابطة إذ تشيد باهتمام خادم الحرمين الشريفين ودعوته العالم للحوار والتفاهم ومناقشة القضايا الإنسانية المشتركة والتعاون من أجل أن يعم الأمن والسلام والازدهار هذه المعمورة، فإنها ومن المنطلق الإسلامي ذاته وتحقيقاً لأهدافها في عرض الحلول الإسلامية لمشكلات البشرية ومواجهة التحديات التي تواجه الإنسان تعقد مؤتمرها من أجل وضع إستراتيجية شاملة لحوار المسلمين مع غيرهم من أتباع الثقافات والعقائد المختلفة من شعوب العالم وتعمل على تحديد مفهوم الحوار ومنطلقاته وأهدافه ووسائله وبرامجه، كما تحدد الفئات البشرية التي يمكن للطرف الإسلامي أن يتحاور معها إلى جانب تحديد موضوعات الحوار وترتيبها بحسب أولوياتها وهي موضوعات مشتركة بين الناس، ولعل الحوار فيها يسهم في تحقيق التفاهم العالمي والتعايش بينهم.
الميثاق الإسلامي
هل من الممكن أن يخرج المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار باتفاق على ميثاق إسلامي شامل تلتزم به مختلف الجهات الإسلامية التي تمارس الحوار؟
** هذا هو أحد الأهداف التي تسعى رابطة العالم الإسلامي إلى تحقيقها في المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار، فقد وجدت أن المؤسسات والأفراد والجهات المختلفة التي تتصدى للحوار مع الآخرين في العالم لا تتقيد بمنهاج واحد، كما أن بعضها لا يعتمد على إستراتيجية في تنفيذ مهام الحوار، لذلك فإن الرابطة ستسعى من خلال المؤتمر إلى إيجاد صيغة يتم الاتفاق عليها تكون بمثابة ميثاق خاص بالحوار الإسلامي، يتعاهد عليه ممثلو مؤسسات الحوار من العلماء والمفكرين والدعاة، وقد حرصت الرابطة على مشاركة مسؤولي المراكز الإسلامية في هذا المؤتمر، وكذلك مشاركة المفتين ومسؤولي الإدارات الدينية والمشيخات الإسلامية في البلدان التي تعيش فيها أقليات مسلمة.
الأقليات والحوار
معنى ذلك أن تأجيل المؤتمر أربعة ايام دليل على أن الرابطة حريصة على مشاركة الأقليات المسلمة.. إذاً كيف تنظرون كجهة تهتم بشؤون المسلمين لدور الأقليات ومراكزها الإسلامية الثقافية في الإسهام بالحوار الحضاري والثقافي؟
**نعم لقد حرصنا على أن يشارك علماء ومفتو ومسؤولو المراكز الإسلامية في بلاد الأقليات في المؤتمر لذلك تم تأجيله أربعة أيام حتى يستطيع من هم في البلدان البعيدة المشاركة.
لذا دعت الرابطة العلماء والمفكرين والمفتين ومسؤولي المراكز الإسلامية في العالم للمشاركة في المؤتمر للحوار للنظر والبحث في إيجاد مرجعية إسلامية للحوار ترتبط بها مؤسسات الحوار ولجانه التي تعمل في بلاد المسلمين أو في البلاد التي تعيش فيها أقليات مسلمة أو في غير ذلك من البلدان.
والرابطة ترى أن الأقليات المسلمة جزء أساس من أجزاء الأمة الإسلامية يجب العناية بهم ومساعدتهم على تحقيق مطالبهم وحاجاتهم، وحل مشكلاتهم ودعم وجودهم ومساعدتهم على صيانة هويتهم الإسلامية وحمايتها من الذوبان وذلك من خلال تثقيفهم بالثقافة الإسلامية الصحيحة، مما يساعدهم على تمثيل أمتهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، ويعينهم على التعريف بقيمهم ومبادئهم من خلال الحوار مع غيرهم، وشرح المقاصد السامية للإسلام، وبيان قدرته على حل المشكلات الإنسانية المشتركة، بما فيه من مبادئ تعين على تحقيق الأمن والسلام والتفاهم والعيش المشترك بين الناس.
وتولي الرابطة كذلك المراكز والجمعيات والمؤسسات الإسلامية اهتماماً مماثلاً ، فتقدم لها المساعدة والخطط والبرامج التي تحتاج إليها لتحقيق الأهداف الإسلامية التي أنشئت من أجلها، كما تنسق معها في وضع برامج الحوار وتحديد أولوياته، وكما يعلم الجميع فإن الرابطة تشرف على عدد من المراكز والمكاتب المنتشرة في أنحاء العالم، ومن مهامها إنجاز أعمال الحوار مع الآخرين، وعرض مبادئ الإسلام وقيمه العظيمة في ندوات الحوار.
تأصيل الحوار
تأصيل الحوار برؤية معاصرة من أهم القضايا في هذا المجال.. كيف يمكن ذلك من خلال الإقتداء بوثيقة المدينة التي صدرت في العهد النبوي؟
** ما سيقوم به المؤتمر من دراسة تجارب الحوار وبيان مشروعيته، والتأصيل لانطلاقة معاصرة له، ليس بدعاً على العمل الإسلامي، بل استجابة لأمر قرآني واقتفاء لهدي نبوي واعترافا بواقع التنوع وضرورة التعاون بين المختلفين، فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم مخاطبا نبيه: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ"، وفي آية أخرى يدلنا القرآن الكريم على منهج هذا الحوار: "وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".
وعلى هذا المنهج كتبت وثيقة المدينة في زمن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، والتأصيل للحوار ينبغي أن يعتمد في هذا العصر على الاستنباط من كتاب الله وسنة رسوله، إلى جانب دراسة التجارب الماضية لاستنباط العبر، ومن ثم يكون الحوار مع الآخرين ضمن الشروط والضوابط الموضوعية العادلة، التي تحقق الأهداف الإسلامية المنشودة.
تكامل الحضارات
إذاً.. ما هي المهام المطلوبة لحوار معمق، يقف على مشتركات إنسانية تمتاز بالشمولية والواقعية تؤكد على التسامح الذي أكدته وثيقة المدينة؟
** من مهام الحوار المعمق تحقيق تكامل الحضارات، لأن المجتمعات الإنسانية متعددة الأديان والمذاهب والثقافات، ومختلفة الأجناس والأعراق، فكان لابد من المبادرة إلى الحوار لتحقيق مصلحة الناس جميعاً، كما أنه لابد من التعاون فيما بين المجتمعات والتعارف والتعايش بين فئاتها، الذي عبرت عنه وثيقة المدينة المنورة في العهد الإسلامي الأول، فالتعدد سنة كونية من سنن الله تعالى، والحوار يسهم في تحقيق التعاون مع وجود التعددية.
ومن مهام الحوار المعمق تحقيق التوافق والتقارب بين المفكرين والفلاسفة والحكماء والعاملين في مجالات الاقتصاد والسياسة والاجتماع على أن ينطلق المسلمون في الحوار من قاعدة الإيمان بالله والاعتماد عليه وطاعته ورجاء ثوابه، مع الحفاظ على مبدأ الإخاء الإنساني وأساسه الأصل الواحد لبني الإنسان لتقوية أواصر العلاقات الدولية ، وضرورة الاعتراف بالآخر، والإحساس بمشاعره وآلامه، والتقيد بمنهج الحق والعدل والمساواة، فهو المنهج المطلوب في كل حوار، ولا بد من الاستفادة من مقوِّمات الحضارة الإسلامية ، وهي الاستشعار بالحساب الأخروي، والعمل على عمران الدنيا، وإحسان العمل، واجتناب الفساد والظلم والباطل.
ومن مهام الحوار المعمق ايضا العمل الجاد والسلم الدوليين، والتخلص من ظاهرة الإرهاب الدولي والفردي أو الجماعي، إلى جانب مقاومة التمييز العنصري، وتطبيق مبدأ العدل الاجتماعي، والتعاون من اجل عمارة الأرض، وتحقيق التعايش الإنساني فيها.وتسخير الحوار بين الأمم لعلاج هذه المشتركات الإنسانية يحقق للشعوب في أنحاء العالم تعاملاً يعتمد على التواصل والتسامح ورفض دعوات الصراع، والتغلب عليها، إلى جانب نبذ النزعات الاستعلائية بصورها المختلفة.
هل هذا يدعونا إلى الإتجاة لتأصيل يشتمل على الآداب والضوابط والآليات بعيداً عن الإشكالات والمحظورات، ومن ثم الانطلاق منه لتأسيس حوار حضاري يبرز قيم التسامح والتعايش في الحضارة الإسلامي ويرفض نظرية صراع الحضارات؟
** وضع أسس للحوار مع غير المسلمين والتأصيل له، ينطلق من أن الإسلام هو دين الله الذي يملك مفاتيح لحل أزمات الإنسان، والأمة المسلمة مخولة بتقديم الدواء، بما تملك من تجربة حضارية رائدة تجعلها قادرة على التعايش مع المدّنية الجديدة، وحراسة تطورها بأخلاقيات الإسلام وشرائعه: "قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين* يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم"، ومن هذا المنطلق يمكن تأصيل الحوار الإسلامي وذلك بالعودة إلى أصول الإسلام وثقافته وحضارته وتجارب الحوار عبر التاريخ.
فالحوار أصيل في ثقافتنا وتطبيقاته في القرآن والسنة أكثر من أن تحصى، و القرآن أوضح معالمه وأصوله ومبادئه بل ومحظوراته، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم كان المثل الأعلى في ترجمة هذا النهج وتحقيقه، ولما كان التأصيل للحوار هو من أهم ما يسعى المؤتمر لتحقيقه، فإن ذلك يتطلب من المشاركين فيه ما يلي: تحديد مفهوم الحوار مع الآخرين في القرآن والسنة والنبوية، وإبراز ضوابطه وآدابه، واستلهام والأحكام من معين الأصول الإسلامية، ودراسة الإشكالات المتعلقة بمسائل الحوار، وتقديم الأجوبة الشرعية لتحقيق مقاصد الشريعة ومصالح الأمة المسلمة، دراسة ـ أيضاً ـ تجارب الحوار في العقود الخمسة الأخيرة والوقوف على إخفاقاتها وإيجابياتها ووضع خطة موحدة للنهوض بمستقبله وتطويره من خلال تجميع الخبرات السابقة والإفادة منها، ودراسة وسائل استثمار الحوار بالتعريف بالإسلام وتصحيح الصور المغلوطة عنه، وتقديمه أنموذجا قادرا على معالجة كافة التحديات التي يحار العالم اليوم في التصدي لها ، ومن ذلك معالجة السياسة والثقافية الناتجة عن دعوات بعض الغربيين إلى الصراع بين الحضارات.
الحوار المؤسسي
هل فكرتم في الرابطة بإنشاء هيئة عالمية تضاف للهيئات الموجودة حالياً تتعلق بالحوار تقوم بالتنسيق لموضوع الحوار واستكتاب الباحثين فيه وإعداد برامجه وحفظ وثائقه وبياناته ومتابعة أخباره ومستجداته ورصد كل ما يتعلق به خاصة أنه لم يتم حتى الآن الاستفادة من الوثائق التي صدرت عن لجان الحوار الإسلامي ومؤتمراته؟
** يوجد في الرابطة جهات إدارية تهتم بالتنسيق واستكتاب الباحثين وإعداد البرامج وحفظ الوثائق والبيانات ورصد كل ما يتعلق بالحوار، ومع ذلك فإننا ننتظر ما سيسفر عنه اجتماع علماء الأمة ومفكريها بشأن الكيفية التي تكون عليها المرجعية التي تقوم بالإشراف على الأعمال التنفيذية للحوار الإسلامي، مع القيام بأعمال التنسيق بين جهات الحوار وأطرافه العالمية، أما ما يتعلق بالاستفادة من التجارب السابقة ووثائقها وبياناتها فإن الرابطة استفادت منها، ومن المقرر أن يدرس المؤتمر تلك التجارب.
كما يعلم الكثير أن الرابطة تستعد لإعداد برامج للعمل الإسلامي المشترك في مجالات الحوار لتحقيق التفاهم بين الأمم.. إلى أين وصل هذا المشروع؟
** نعمل حالياً على تنفيذه بالتعاون مع المنظمات الإسلامية الرسمية والشعبية والوزارات المعنية بالشؤون الإسلامية في الدول الإسلامية، وقد نفذت عدد من المهام في مجال الحوار من خلال تعاونها مع بعض الجهات الإسلامية بعقد ندوات عديدة للحوار مع غير المسلمين في بعض البلدان الغربية.
وسوف يدرس المؤتمر تجربة الرابطة إلى جانب دراسة تجارب الحوار الأخرى، كما سيعمل على وضع برنامج متكامل للعمل الإسلامي المشترك في مجال الحوار لتحقيق التواصل والتفاهم بين المسلمين وغيرهم من أمم العالم وشعوبه.
هناك ممارسات خاطئة تتعمدها بعض القوى في مجال الحوار فهل يغير هذا من خطط الرابطة ؟ وهل يؤثر تخلف المسلمين كذلك على الحوار؟
** لن تحول دون الإقدام على الحوار الذي تعد له الرابطة بعض الممارسات الخاطئة التي كرست مفهوم التبعية للأقوى، وحققت كذلك الأهداف المريبة التي يحملها البعض في مشاريع الحوار التي يتبنونها، مما جعل المتابعين لهذا النشاط يصابون بمشاعر الخيبة، كما أن ضعف المسلمين التقني والمادي ليس مبرراً للوقوع في تلك الأخطاء والانجرار إلى الحوار بتلك الطريقة، ولابد لأطراف الحوار الإسلامي من منهاج أصيل تعمل من خلاله، منطلقة من الثقة الكاملة بدينها ومعطياته البشرية.
الانفتاح على الثقافات
الانفتاح من أهم القضايا لنجاح الحوار.. ما هو دور الرابطة في ذلك؟
** الحوار الذي تتطلع الرابطة ومؤتمرها إليه يتسم بالانفتاح على بلدان العالم وشعوبه وثقافاته بما في ذلك من فلسفات معتبرة، ونتطلع من هذا الانفتاح إلى تحقيق عالمية الإسلام، وهذا يقتضي عدم الاقتصار في الحوار على أتباع الأديان، ونحن في المملكة نسعى دائماً إلى التعريف بحضارة الأمة وثقافتها لكل فئات الناس في العالم، وهذا منطلق إسلامي معروف ومنه انطلقت دعوة خادم الحرمين الشريفين للحوار وهي دعوة عامة للناس من مختلف الأعراق والبلدان والثقافات والأديان، فرسالة الإسلام عالمية موجهة إلى الإنسان في كل مكان، وهي لا تخص شعباً أو فئة، وهي رسالة إلهية لشعوب الأرض كافة : "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً".
تنسيق الحوار
وما هي الخطوات التي ترونها لإقامة علاقات منتظمة مع أجهزة الحوار ومراكزه في العالم الإسلامي وخارجه؟
** الاتفاق على مبدأ التكافؤ بين المتحاورين من أجل صالح البشرية مطلب إسلامي، فإذا تحقق هذا المبدأ بقبول أطراف الحوار الأخرى له، فإن الطرف الإسلامي يمكن أن يتخذ الخطوات المطلوبة لإقامة علاقات منظمة مع لجان الحوار ومنتدياته ومراكزه الإسلامية منها والعالمية.
وتسعى الرابطة لتحقيق ذلك عن طريق التنسيق بين المؤسسات الإسلامية المعنية بالحوار، ولتحقيق التنسيق ـ بمهامه وأعماله الشاملة ـ أنشأت الرابطة "الهيئة العليا للتنسيق بين المنظمات الإسلامية" ومن أعمالها التنسيق بين المنظمات الإسلامية المعنية بالحوار مع أتباع الأديان والثقافات والحضارات المختلفة في العالم، بالإضافة إلى التنسيق مع مؤسسات الحوار العالمية ومنتدياته.
كذلك تعمل الرابطة على وضع برامج للحوار تعرض فيها الموضوعات المراد التفاهم حولها وفق أولوياتها الإنسانية ومن ثم تتم مناقشتها في ندوات الحوار.
إذاً فالخطوات الأساسية لإقامة علاقات منتظمة مع أجهزة الحوار تقتضي تحقيق التنسيق ووضع الخطط والبرامج، والتفاهم عليها، وهي مما يتعلق بالاهتمامات المشتركة لشعوب العالم ودوله.
الامن والحروب الظالمة
في نظركم .. ما هي الرؤية التي يمكن أن يقدمها المحاور المسلم لصون الأمن والسلم في العالم؟
** من أخطر ما تعاني منه البشرية اختلال الأمن والتورط في حروب ظالمة، لأن كل ما يهدِّد الأمن والسلام العالمي يُلحق ضرراً واضحاً بالبشرية، فكم عانت البشرية من الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث قُتل أكثر من ستين مليون نسمة.
وإذا افتقر العالم خلال قرون عديدة الرؤى الصحيحة الصادقة لتحقيق أمن الإنسان فذلك بسبب البعد عن رسالات الله سبحانه وتعالى، واليوم
في الإسلام، وعماد ذلك واضح في كتاب الله الكريم، فدعوة القرآن الكريم إلى إقرار السلم والأمن الدوليين واضحة في آيات عديدة، وكل إخلال بالأمن في نظر الإسلام ظلم واضح واعتداء على حقوق البشرية والإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً".
وسيلة للتعريف
متى يستطيع الحوار التصدي للجوانب السلبية في العولمة؟
** الحوار وسيلة من وسائل المسلمين في التعريف بدينهم الذي هو رحمة للناس جميعاً، وإن البشرية التي داهمها طوفان العولمة اليوم تتطلع إلى رحمة من الله تستنقذها من أمراضها وتوجه إبداعها الحضاري والتقني إلى ما فيه صلاح الجنس البشري ولتستعيد ما فقدته من مقومات، بسبب بعدها عن ربها وعن العمل وفق ارضاء الله تبارك وتعالى، ولا حل لها إلا بأن تصغ السمع لنداء ربها: "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى «ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً».
ولما كانت الرسالات الإلهية السابقة تمتلك رؤى لا يمكن تجاهلها تجاه التحديات المعاصرة، فهي تشترك مع غيرها في مسعاها لتقديم الحلول الناجعة لأزمات الإنسان وتحديات العولمة، وهي تتقارب مع النظم الإسلامية أو تتباعد عنها ، بقدر ما تمتلك من بقايا الحق الذي آتاه الله الأنبياء وأنزله في الكتب، وكذلك فإن الفلسفات الوضعية المعتبرة تمتلك بعض المشترك الإنساني، حين تنادى مؤسسوها إلى الدعوة إلى الأخلاق الحميدة، واجتناب الرذائل والموبقات.
وهذا يساعد على الاستفادة من نقاط اللقاء والتوافق مع هؤلاء وأولئك، وتطويرها من خلال الحوار المعمق ، لتقترب أكثر من الهدي الرباني الذي يقدمه الإسلام لهذه المشكلات، والذي يمتاز بالشمولية والمثالية الواقعية وبالتسامي على الهوى والأنانية والنزعات الاستعلائية.