أوراق ثقافية
رحيل المبدعين
أمير تاج السر
منذ أيام قليلة، رحل عن عالمنا الشاعر العربي الكبير محيي الدين فارس، الذي كان واحدًا من شعرائنا الأفذاذ.. جاء في وقت توهج الشعر واحتلاله لتلك المكانة الكبيرة بوصفه ديوان العرب. والذين لا يعرفون محيي الدين فارس، فقد كان كغيره من المبدعين السودانيين، يسكنون أطراف الشهرة، زاهدين في مركزها، بعيدين عن الأضواء التي في رأيي تأخذ من المبدع أكثر مما تعطيه، ثم لتأتي جائزة البابطين العربية للشعر لتنصفه وتمنح له في أرض الأندلس، وكانت تلك الجائزة بحق إنصافا لفارس وإنصافا للشعر السوداني الذي هو شعر عربي أصيل بجانب خصوصيته الأفريقية. أصدر محيي الدين فارس عدة دواوين منها (صهيل النهر) و(نقوش على وجه المفازة) الذي أذكر حتى الآن كيف كنت مغرمًا بأجوائه واتخذته معلما أهتدي به حين بدأت الكتابة شاعرًا منذ الصغر، وما يحمد لمحيي الدين في هذا الصدد، أنه وزملاءه مصطفى سند ومحمد عبد الحي والنور عثمان أبكر، ساهموا في رصف درب كان وعرا من قبل، لأجيال أتت من قبل وأبدعت في كتابة القصيدة السودانية. وبجانب ذلك الإبداع الكبير أيضا يحمد لفارس، أنه عاد إلى بلاده بعد أن أكمل دراسته في مصر، وعمل معلما لأجيال عديدة، وهناك الكثيرون من تلاميذه يحتلون مواقع مميزة في كثير من المجالات.. ولعل كلمته في تكريم أحد التشكيليين الكبار، والذي كان من تلاميذه.. وما ذكره عن انحناء المعلم احترامًا لواحد من تلاميذه، نبغ، يدل على عظمة ذلك الشاعر الكبير.
لمحيي الدين قصائد عديدة كما ذكرت، ولكن أتحدث عن القصائد الوطنية التي كتبها بوصفه شاعرا يتغنى بالوطن، ولعل جيلنا ما يزال يذكر بفخر تلك القصيدة الرائعة (لن أحيد) التي رددها الفنان الراحل (حسن خليفة العطبراوي) وأظنها كانت من نظم الشاعر حين كان ما يزال في مصر..
إذن رحل محيي الدين فارس ومن قبله رحل محمد عثمان كجراي، صديقي الذي كان معلمًا للأجيال أيضا، وما نال من التكريم كلمة واحدة، ورحل القاص والروائي محمود محمد مدني، وكان مريضًا ومحبطًا، وغدًا تمضي الكثير من المشاعل المنيرة ولا أحد يكرم مبدعًا أو يحتفي بشاعر وكاتب جدير بالاحترام.