قراءة في مجموعة فهد الخليوي القصصية «رياح وأجراس» 2-2
انفتاح النص على هاجس الوحدة وغموض المجهول واتساع حجم السواد
عباس سليمان *
أدرجنا هذا العنوان ضمن مجال عناوين الحياد لانفتاحه على قراءات عديدة ولإمكان ذهاب التأويل فيه إما مذهب الذكريات الجميلة التي ينعش هبوبها الروح وينسي هم الحاضر ورداءته أومذهب الذكريات البائسة التي يعكر مجرد انتفاضها وخروجها من تلافيف الذاكرة صفو الحاضر الصافي أويزيد رداءة الحاضر رداءة والتي لا تحيل على غير الغم والحزن والانهزام. ووحدها قراءة ما بعد العنوان كفيلة بتأكيد صحة بعض الفرضيات ودحض الفرضيات الخاطئة. قادتنا القراءة إلى أن هذا النص ينفتح على شعـور ممـزوج بهاجس الوحـدة وغموض المجهول يغمر الكاتب "وهويجوب الصحراء للوصول إلى تلك القرية" (ص 35) وينغلق على وصف حالة السارد الذي "ظل في تلك الليلة شارد الذهن قلقًا تكسوملامح وجهه غيمة من الحـزن وهويبحث في بقايا ذاكرته عن مدينة حضنت بدفء حنانها بداية صباه وطراوة أحلامه" (ص 37) وبين هاجس الوحدة وإحساس الشرود والحزن تمتد رحلة السارد من المدينة التي نزح إليها إلى القرية التي هج منها صغيرا بحثا عن الوظيفة والزوجة وعن حياة أخرى بيد أن هذه الرحلة تخلوتماما من كل بصيص للفرح ولا تقف فيها الذاكرة على موقف انتعاش واحد الأمر الذي يقودنا مجددا إلى أن نعدل بالحذف من قائمة العناوين المحايدة ونلحق بمجالنا الأول -مجال عناوين القتامة والإبادة- عنوان "بقايا ذاكرة".
ذكرى: هذا عنوان آخر ألجأتنا قابليته لأكثر من قراءة وذهاب التأويل فيه مذهب الذكرى الجميلة أومذهب الماضي الأليم إلى اعتباره مبدئيًا واحدًا من العناوين المحايدة في انتظار أن نستأنس بالنص لنؤكد إحدى الفرضيتين وندحض الفرضية المتبقية. وقد قادتنا قراءتنا إلى التالي:
استحضرت ذاكرة السارد في هذه القصة القصيرة جدا "ملامح لرجال قتلوا في معارك طاحنـة وبنادقهم الجديدة مبعثرة قرب جثثهم". (ص 47). ولا يمكننا بعد اطلاعنا على حقيقة هذه الذكرى التي انفتح عليها ذهن الكاتب إلا أن نلحق هذا النص القصير بمجال نصوص الإبادة والسواد لترتفع هذه النصوص إلى ثلاثة عشر نصًا من جملة ستة عشر حوتها المجموعة أي بنسبة تفــوق الـ80%.
بحر وأنثى: لم يصرح العنوان بحالة البحر ولا بما دفع الأنثى إلى إتيانه ولكن قراءة هذا النص القصير تكشف عن أن المكان هنا -البحر- لم يقم بدوره الاعتيادي المتعارف عليه -دور التسلية ومحط التأمل والمتعـة- وإنما مثل بالنسبة إلى الأنثى القادمة إليه والشمس توشك على الغياب المحطة الأخيرة من محطات عمرها القصير أي أنه مثل قبرها الذي هوت إليه كما تهوي "نجمة مضيئة" (ص 41).
فالحدث الرئيسي إذن هوحدث انتحار أنثى أوأفول نجم أوانطفاء عمر كانت صاحبته تتقد حياة وهذا ما يسمح لنا بإلحاق هذا النص بنصوص السواد والإبادة والموت ليرتفع عدد هذه النصوص إلى 14 نصا من بين 16 بما يعادل نسبة تقترب من 90%.
بهذا التحليل الذي تناولنا به النصوص التي بثت فينا عناوينها انطباع الحياد وبما وصلنا إليه من نتائج أصبح ممكنا تماما أن نحذف المجال الثاني برمته لنبقي أخيرا على مجالين اثنين واحد اشتمل على عناوين توحي بالفاجعة وبالجوع وبالموت وآخر ينبئ عنواناه (عرس - بحر وأنثى) عن الفرح ولم الشمـل والحميمية.
وبهذا التنظيم الجديد تصبح عناوين مجموعة فهد الخليوي منقسمة إلى مجالين غير متكافئين -كميا على الأقل- يحكمهما التقابل أوالضدية.
عناوين الفرح
وقد قدرنا أن (عرس) و(حصان وفرس) عنوانان ناطقان بدلالات الوئام والفرح لما في الأول من إحالة على اجتماع الشمل وعلى الاحتفالية وعلى التأسيس لنواة عائلة جديدة بما تعنيه هذه الإحالات من ضدية للإبادة والمــوت وللحزن وسآمة الحيــاة ورتابتها ولما في الثاني من إحالة على الحميمية والحب والشهوة، فإلى أي مدى سيكون المتن وفيا أومطابقا لإحالات هذين العنوانين؟
عرس: إن ولوج عالم ما بعد العنوان بالنسبة إلى (عرس) لئن كان لا يخيب ظننا في اعتبار هذا النص منفلتا من دلالات الابادة والموت لما فيه من إحالة على الجمال وعلى الفرح وعلى التكاثر وعلى الذكرى الجميلة فإننا نقف أمام كسر لأفق انتظارنا إذ يهيئنا العنوان لقراءة حكاية زواج رجل وامرأة أوحكاية اجتماع حبيبين قررا أخيرا أن يضعا حدا لعزوبيتهما التي طالت فإذا بنا أمام حديث عن احتفال سرب من الطيور بزفافه "على ضفاف قرية نهرية صغيرة" (ص39).
لنا أن نستنتج أن نسمة الفرح الوحيدة إلى حد الآن -التي هبت على أو من نصوص فهد الخليوي- كان مأتاها جنس آخر -جنس غير بشري- كان مأتاها سرب من الطيور حلق ثم حط ثم اختفى.
حصان وفرس
أما العنوان الثاني والذي هو عنوان النص الأكثر شاعرية من بين كل نصوص المجموعة لما فيه من إيحاء مكثف ومن حضور للرمز ومن إحالة على الموروث الديني -القرآن تحديدًا- (وهي إحالة لمسناها من خلال قيام الحصان والفرس مقام المرشـد والدليل ومقام الدافع إلى فعل الشيء ومقام الموجه إلى ما يتوجب فعله الأمر الذي نقف على مرجعيته في قيام الغراب مقام الدليل بالنسبة إلى قابيل الذي قتل أخاه ثم لم يهتد إلى مواراته التراب). قلنا إن هذا العنوان لا يخاتلنا ولا يكسر انتظارنا لما بينه وبين النص من انسجام وشبه تطابق إذ النص نص حميمية واشتهاء وتوافق.
" قال لها: أنا الحصان.
قالت: أنا فرسك.(ص51).
وبهذا الانسجام ينفلت النص من دائرة دلالات الابادة والقطعية والموت ليكون ثانــي وآخر نص فيه إحالة على الفرح.
دلالات العناوين
نخلص إلى استنتاج مفاده أن نصوص فهد الخليوي الواردة ضمن مجموعته القصصية (ريــاح وأجراس) نصوص يلفها ويهيمن عليها السواد عموما إذ ينتظم 14 واحدا منها من مجموع 16 هي مجموع تلك النصوص وفق دلالات المــوت والابادة والكآبة والمكابدة وشظف العيش وشعور الأسف والذكريات الأليمة والجوع والقتل والانتحار والنهب والإهانة والاعتداء والحـرب والظلم والتخلف... ولا شك أن هذا الاستنتاج الذي قادتنا إليه عملية إحصائية تحليلية ليبرر لنا التأكيد على ما في هذه النصوص من صدق ومن وفاء للواقع ومن ابتعاد عن التهويمات الخيالية والهرطقات الطوباوية التي لا تبررها حتى الرغبة في الانفلات من الواقع الضاغط.
ولئن نأى الخليوي عن ربط دلالات القتامة والابادة بأحداث بعينها ينهض لتحديدها مكان محدد وحقبة تاريخية مبينة وأشخاص لها أسماؤها وصفاتها وحضورها فإننا نعتبر أن سعي الكاتب إلى إضفاء الطابع الإنساني العام على نصوصه يخرجها من المحلية الضيقة ويجعلها تعانق الهموم الإنسانية التي لا يحددها زمان ولا مكان ولا ترتبط بذوات دون أخرى.
لقد بدت لنا نصوص فهد الخليوي نصوصا تعكس قلق الروح وضيق مساحة الأمل وانسحاب شعور الأسى على ماضي ساردي تلك النصوص وحاضرهم بما يجعل حتى المستقبـل أمامهم وأمام القارئ قاتما لا يلوح منه ضوء فرح واحد. ولا شك أن نزوع الكاتب إلى الصدق وإلى الوفاء لأحاسيسه القلقة يعكس وجها آخر من وجوه تفرد هذه النصوص التي تأبى أن تكون مجرد تسلية وكلام خداع قد يمنع انتباه القارئ إلى ما حوله حينا من الوقت ولكنه لا يستطيع أن يعطل انتباهه من جديد.
ولئن كنا قد وقفنا في هذه القراءة الأولـى على دلالات عنـوان مجموعة فهد الخليـوي وعناوين النصوص التي أثثتها وحللنا ما بينها من علاقات وما أثارته فينـا من دلالات وإيحاءات وتأويل فإننا نصرح أن هذا الكتاب يستحق منا أن نخصه بكتاب مواز نقف فيه على أوجه التجريب التي اكتشفناها في أشكال نصوصه ومضامينها وما لاحظناه فيها من وجوه عدول لغوي وبلاغي وأسلوبي حقق للمجموعة تميزا وبوأها لأن تكون قصصا جديرة بالدراسة والاهتمام.
الخاتمة
ضمن اهتمامنا بمجموعة فهد الخليوي القصصية "رياح وأجراس" ارتأينا أن نبدأ أولا بهذه المقاربة التي قرأنا فيها العنوان الجامع ودلالاته وما فيـه من عدول عن السائد والمتعارف عليه في عنونة المجموعات القصصية ثم قرأنا العناوين الداخلية ووقفنا عند ما شدنا إليها بصفة خاصة ألا وهو سمة القتامة ودلالات الإبادة والموت لننتهي إلى استنتاج مفاده اتساع حجم السواد الذي يلف هــذه القصص وأرجعنا اتساع ذلك الحجم إلى نزوع الكاتب إلى الوفاء للواقع القاتم وهو وفاء زاد من مصداقيته عدم ارتباط نصوص السواد بأحداث معينة وتواريخ محددة وذلك بنية الاتجاه نحو "عولمة" دلالات المـوت والإبادة التي لم تترك للجانب الآخر -جانب الفرح- غير مساحة أضيق بكثير من حب الحياة وأضيق حتى من فسحة الأمل.
*كاتب من تونس
إحـــــالات
* رياح وأجراس – قصص – النادي الأدبي بحائل – صدرت عن الانتشار العربي بيروت ص 1 / 2008م