قواعد استشارة الحكام
د. ناصر بن زيد الداود
نستعرض في هذه المقالة أهم قواعد استشارة الحكام في الفقه الإسلامي:
القاعدة الأولى/ أنَّ الرأي ليس حكراً على الفقهاء دون العامة، ولا على كبار السن دون الشباب، ولا على الرجال دون النساء.
روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ ( كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ.. ) الحديث.
ولم يكن هذا حال عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنهُ مع ابن عباس فقط، بل كان عاماً مع من يثق به من شباب المسلمين في عهده.
روى البيهقي عن ابن الماجشون قال: قال لنا ابنُ شهابٍ؛ ونحن فتيانٌ أحداثٌ نسأله عن العِلم: ( لا تحقروا أنفسكم بحداثة أسنانكم، فإنَّ عُمَر بن الخَطَّاب كان إذا نَزَلَ به أمرٌ دعا الشبابَ فاستشارهم؛ يبتغي حِدَّةَ عُقُولِهِم ).
بل تعدى ذلك من عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنهُ إلى استشارة النساء، والأخذ بما يستحسنه من آرائِهِنَّ.
روى البيهقي عن ابن سيرين قال ( أنْ كان عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَيَستَشِيرُ في الأمر، حتى إن كان لَيَستَشِيرُ المرأة؛ رُبما أبصر في قولها الشيءَ يَستَحسِنُهُ، فَيَأخُذُ بِهِ ).
القاعدة الثانية/ أنَّ استشارة الحاكم لخيار رعيته لا تعني لزوم قبوله برأيهم ولا برأي أكثرهم، بل ولا برأي واحدٍ منهم؛ لأنه ربما ظهر له من مداولة الرأي معهم رأيٌ لم يبصروه، فأظهره الله عليه.
ففي التنظيم الإداري: روى ابن أبي شيبة عن الشعبي قال ( كتب أبو موسى إلى عُمَر: أنه يأتينا كُتُبٌ ما نعرف تاريخَها فَأَرِّخْ، فَاستَشَارَ أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال بعضهم: أَرِّخْ لمبعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال بعضهم: أَرِّخْ لموت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال عُمَر: أُؤرِّخُ لِمُهَاجَرِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ مُهَاجَرَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرقٌ بين الحق والباطل، فَأَرَّخَ ).
وهنا أعرض الخليفة عن التاريخ للبعثة أو للموت، واختار حدثاً فارقاً بقي إلى عصرنا هذا وهو الهجرة، وأنعم به من رأي.
القاعدة الثالثة/ أنَّ الإشارة لا تكون فيما لم يُستشر فيه، فللحاكم أن يفرض رأيه متى رآه في مصلحة رعيته؛ بما أعطاه الله من ولاية هو أدرى بعواقب أمورها من غيره.
ولذلك قَالَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لابْنِهِ عبدِ الله ( إِنَّ هَذَا الرَّجُل - يَعْنِي عُمَر بن الخَطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنهُ - يُدْنِيك، فَلا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلا تَغْتَابَنَّ عِنْده أَحَدًا، وَلا يَسْمَع مِنْك كَذِبًا “ وَفِي رِوَايَة: وَلا تَبْتَدِئْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلك عَنْهُ ). رواه البيهقي والطبراني في الكبير.
لقد أسَّس العباس أهم قواعد صحبة الحكام في أربع جمل، إحداها جعل ابن العاص مخالفتها من الحماقة.
القاعدة الرابعة/ أنَّ مخالفة الحاكم لمستشاره لا تجعل المستشار في حِلٍ من طاعة الحاكم في ما خالف مشورته، بل عليه متابعة ولي أمره بالمعروف في غير معصية الله.
وللحديث بقية.