نزرع القمح.. ونحافظ على مصادر مياهنا في نفس الوقت
ماذا ينقصنا في هذا البلد الأمين! منحنا الله ثروات طبيعية هائلة، وجعل بلدنا قلب الإسلام وقبلة المسلمين. لدينا أراض شاسعة، وجبال وبحار، وذهب وبترول ومعادن، وصحاري جميلة وشواطئ خلابة وسماء صحوة على مر العام تقريباً.
ولكن مصادر المياه العذبة تنقصنا. المياه التي قال الله عز وجل فيها " وجعلنا من الماء كل شيء حي". المياه هي مشكلتنا الأساسية والأزلية، وليس القمح أو الشعير أو أي أنواع الغذاء.
بعضنا لايزال يتحدث عن الأمن الزراعي، أو الأمن الغذائي، أو المحاصيل الزراعية الإستراتيجية مثل القمح أو الشعير أو البطيخ.
ولكن الأمن المائي هو الأهم والأخطر. فبدون أمن مائي لايمكن تحقيق أي أمن غذائي ولايحزنون. والذين يتحدثون عن القمح كسلعة أو مادة غذائية إستراتيجية لابد من زراعتها بكثافة وتخزينها للأيام السوداء والحاجة عند الإضطرار، ينسون، أو يتناسون أن زراعة القمح مكلفة جداً وتستنزف المياه الجوفية غير المتجددة وتستهلك الأرض، وبالتالي تضر بمستقبل البلاد والعباد بصورة مباشرة.
هناك حلول جيدة لمعالجة مشكلة القمح والشعير وغير ذلك من محاصيل زراعية، لايجب أن نهملها. فالعالم يتجه الآن إلى التكامل الإقتصادي والزراعي والتجاري عن طريق منظمات عالمية وأخرى تابعة للأمم المتحدة، معترف بها وفاعلة وتضم أكثر دول العالم، منها على سبيل المثال منظمة الفاو، ومنظمة التجارة العالمية، وغيرهما. من الأفضل للملكة أن تستفيد من هذه المنظمات ومن هذا التكامل الذي يسعى إليه العالم، خاصة وأن المملكة هي إحدى أكبر الدول الأعضاء المساهمين في منظمة الأغذية العالمية مثلاً، وهناك قاعة باسم الملك فيصل يرحمه الله في المقر الرئيسي للمنظمة في مدينة روما، عاصمة إيطاليا.
فهناك مناطق كثيرة في هذا العالم لديها مصادر مياه هائلة وأضعاف ما يوجد لدينا، وتزرع القمح بتكلفة أقل بكثير من زراعته في بلادنا، وهي على أتم استعداد لبيعه علينا بثمن معقول يقل كثيراً عن تكلفة زراعته التي كانت الدولة تتولى دعمها سابقاً.
كما أننا نذكر أن هناك فكرة رائعة قديمة، كنا نسمع عنها منذ عشرات السنين، بأن يتم تكوين إئتلاف تجاري من عدد من الدول العربية تقوم بتوقيع إتفاقية دولية، تحت إشراف الأمم المتحدة، مع حكومة السودان الشقيق لزراعة القمح والشعير في أراضي جمهورية السودان الشقيقة لصالح هذا الإئتلاف. هذه الفكرة الجميلة ستحقق المصلحة والفائدة للجميع، فستحصل دول الإئتلاف الشقيقة على الكميات التي تحتاجها من القمح والشعير بأسعار جيدة، وبالتالي ستعود الفائدة على مواطنيها دون إستنزاف مصادر المياه المحدودة لديها. والسودان الشقيق سيستفيد مادياً ومن تشغيل الأيدي العاملة لديه، ومن بناء مناطق سكنية للعاملين على هذا المشروع الجبار، وباستصلاح أراضيها الزراعية وإستغلالها الإستغلال المفيد. أي أن تنفيذ هذه الفكرة سيحقق المكاسب لجميع الأطراف.
بما أن هذه الفكرة التي سيتحقق من ورائها مشروع جبار ستحل لنا مشكلة أو مشاكل قائمة، فلا حاجة لنا حينئذ للجوء إلى إختيارات صعبة ومؤلمة، مثل زراعة القمح والشعير على أرضنا بما يتوفر (أو لايتوفر) لدينا من مصادر مياه محدودة جداً وقابلة للنفاذ العاجل دون أن تتجدد طبيعياً. قد نحل بزراعة القمح والشعير على أرضنا مشكلة واحدة، وهي نقص هذه المحاصيل، ولكننا بكل تأكيد سنخلق العديد من المشاكل الأخرى التي لانستطيع مواجهتها أو إيجاد الحلول المناسبة لها مستقبلاً. لذلك أصاب مجلس الوزراء عندما قرر سابقاً وقف دعم زراعة القمح كما كان يحدث في الماضي القريب، وإن كان في إمكانه إعادة النظر في سعر شراء القمح حتى يتناسب مع متوسط سعره الحالى في الأسواق العالمية.
أما الذي يعتقد أن الحل قد يكمن في تحلية مياه البحر، فقد لايعلم أن المياه المستخلصة من تحلية المياه لاتغطى أكثر من ستة إلى سبعة في المئة من إجمالي احتياجات المملكة من المياه العذبة.
وهذا صحيح حتى لو استطعنا بناء محطة تحلية خاصة بكل حي سكني أو تجاري لتغطية إحتياجات ذلك الحي (وكل حي على حدة) في جميع المدن السعودية. مثل هذا الحل قد يساعد قليلاً في توفير مياه الشرب، ولكن بنسبة بسيطة، مع إرتفاع التكلفة.
الغريب في الأمر أنه ومع كل هذه المعوقات والمخاوف، فعددنا يتزايد ويتكاثر بسخاء وكرم عربي مفرط. نحن ننافس الأرانب في هذا المضمار، غير أن الأرانب لاتحب أكل القمح، وإنما تأكل الجزر.
للتواصل ارسل sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 129 مسافة ثم الرسالة