وجاهة ولا أزيد
ملايين الأمريكيين اهتموا بمتابعة الإعلام البريطاني بعد 11سبتمبر، والغرض تعويض النقص الموجود في التغطيات الأمريكية للقضايا الدولية والحساسة، وشكَّلت اعتداءات نيويورك وواشنطن ومعها احتلال العراق، بداية الإقبال الأمريكي المكثّف على محطات (بي. بي. سي) الإذاعية والتلفزيونية، والمواقع الإلكترونية لـ(الغارديان) و(التايمز) و(الاندبندنت)، وحسب الإحصاءات المتوفرة؛ يوجد في الولايات المتحدة سبعمائة الف مشترك في مجلة (الإيكونوميست) بنسختها الأمريكية، ومئة وخمسون ألف مشترك في جريدة (فايننشـال تايمز)، والرقم الثاني يضر بسمعة جريدة (وول ستريت جورنال) الأمريكية ويأخذ من جمهورها، ويتصفح موقع (الغارديان) الإلكتروني شهرياً مليون وخمسائة الف زائر من أمريكا، ويرتفع العدد الى ثلاثة ملايين زائر لموقع جريدة (التايمز) على الانترنت، ومليون وثلاثمائة لـ(الاندبندنت)، ويشاهد أخبار (بي.بي.سي) عبر الكيبل الأمريكي تسعمائة وسبعة وعشرون الف شخص، ويزور مواقعها شهرياً ما يقرب من خمسة ملايين وستمائة الف زائر في أمريكا، وذكرت مجلة (الايكونوميست) في تقريرها لسنة 2006 بأنها تفوقت في انتشارها بين الأمريكيين على مجلات (ذي نيويوركر) و(فوربس) و(فورتشن) والثلاث أمريكية أصلاً وفصلاً.
لعل المختلف في الدور الجديد للإعلام البريطاني، هو أنه سوّق لنفسه بدون وساطة أمريكية، ولم يكن تصرفاً عشوائياً إنما مقصوداً ومرتباً، وفي رأي أوليفر بويد باريت(2007) وفر الإعلام البريطاني مناخات جذب بديلة للنخب السياسية والثقافية في أمريكا، انسجمت مع رغبتها في مصادر موثوقة وقريبة من هموم المجتمع الأمريكي واهتماماته، أو بين من فقدوا الثقة في الأخبار الأمريكية، واعتبروها منحازة للمؤسسة الرسمية.
الإعلام البريطاني مستقل، إلى حد ما، مقارنة بالأمريكي، والمدرسة الصحافية الانجليزية ترى فى نقد السياسات والشخصيات العامة ظاهرة صحية ومطلوبة، وتطبق الرؤية في إعلامها أو موادها المنشورة أو المنقولة لحساب الإعلام الأمريكي، وفي سنة 2005 وجد برنامج (بروجكت سينسرد) في جامعة (سوناما ستايت) الأمريكية، وهو يهتم بإصدار قائمة سنوية عن أكثر من خمسة وعشرين موضوعا محليا تجاهلها الإعلام الأمريكي، أن خمسة من هذه الموضوعات نشرت في مطبوعات بريطانية كـ(الغارديان) و(الإندبندنت) وكلها تناولت قضايا حساسة وفضائح، وفي شهر مارس من السنة المذكورة نقل برنامج (نيوزنايت) في (بي.بي.سي) أن إدارة الرئيس دبليو بوش اجتمعت قبل 11 سبتمر مع مديري شركات النفط الامريكية، لمناقشة موضوع احتلال العراق، ونشرت (الغارديان) كلاماً منسوباً لـ(ساندرا دي اوكونور) تكتم عليه الإعلام الأمريكي، وساندر قاضية سابقة في المحكمة الأمريكية العليا، او الـ(سوبريم كورت) وذكرت في تصريحها أنه لولا استقلال القضاء لتحولت أمريكا إلى ديكتاتورية، ومن الأخبار البريطانية المعروفة الحوار الخاص بين بلير وبوش حول تفجير محطة الجزيرة الفضائية، وفاز الإعلام البريطاني بجائزة جورج فوستر بيبادي الأمريكية، عن برامج إذاعية وتلفزيونية، وحصل راديو (بي.بي.سي) على جائزة (دارت) الأمريكية للتميز في التقارير الإذاعية عن ضحايا العنف سنة 2006.
بالتأكيد؛ التوجه إلى سوق الإعلام أو الجمهور في الولايات المتحدة، لا يعني بالضرورة أن السوق في أمريكا يطلب المنتج الصحافي البريطاني أو يحتاجه، والافتراض بأن مفهوم العولمة ينسحب على الإعلام غير دقيق وفيه مغالطة و (تخبيص) واضح، لأن هناك عقبات أو مطبات صعبة أمام عولمة الإعلام كـ اللغة والثقافة والدين والتاريخ المشترك، وربما أثر إعلام العالم الاول في العالم الثالث نسبياً، فالضعيف دائماً مبهور بالقوي ويحاول تقليده، حتى إن (ضيّع مشيته)، وقيل لي إن رجال الخليج في السبعينات، كانوا يستخدمون إبراً لتكبير البطن أو بالعامية (الكرش) من باب إظهار الوجاهة...!
حتى لا نضيع، يمكن تجيير النجاحات البريطانية لصالح تراجع ثقة الأمريكيين في إعلامهم المحلي أو الوطني، أو كما قال لانس بينيت وزملاؤه (2007) لأن الإعلام الامريكي فشل في تقديم مواد صحافية محترمة، تنتقد تصرفات السلطة أو على الأقل تختلف عنها، بالذات في شؤون السياسة الخارجية، وأحالت جيل كارول(2007) السبب إلى قلة المواد الصحافية الجادة في التلفزيون، والانخفاض الكبير في تغطيات الإعلام الأمريكي للأخبار الدولية، وكلامها لا غبار عليه، لأن النسخة الأمريكية من (سي.إن.إن) مثلاً تركز على البرامج الحوارية وأخبار المشاهير والمواد المحلية، وإن كانت نسخها المصدرة للخارج تترك مساحة واسعة للأخبار الدولية.
الحقيقة أن الوظائف السياسية والثقافية للإعلام الأمريكي، تأخرت كثيراً أمام الإعلام غير الأمريكي الناطق بالإنجليزية، ومحطة (الجزيرة انغليش) استغلت هذه المسألة واستثمرتها، والتقنية الرقمية عموماً ساعدت في وصول الأخبار إلى الأمريكيين وغيرهم، و من وإلى كل مكان في العالم، واتجاه الأمريكيين نحو وسائل إعلام غير وطنية، بحثاً عن المعلومات والأخبار، مرتبط بظهور ما يعرف بـ(الطبقة المبدعة)، والاسم ابتكره ريتشارد فلوريدا في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه(2002) ويقصد به المثقفين وأصحاب المعارف الموسوعية والتجارب والخبرات المتصالحة والمنفتحة على الثقافات الأخرى، و على ذمة سيان ادي وآخرين (2005) يقابل هذا فئة تعرف بـ(الهارت لاندرز) أي المحافظين وأحادي الثقافة، وهؤلاء يمكن اختصارهم مجازياً في الخط الإخباري لمحطة (فوكس نيوز).. ولا أزيد!
binsaudb@ yahoo.com
للتواصل ارسل sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 107 مسافة ثم الرسالة