أ. د. محسن بن علي فارس الحازمي*
قرأت لك.. و«الحكمة ضالة المؤمن»
في مجلة الاقتصادي في عددها بتاريخ 22 مارس 2008م، كتب أحد محرري المجلة- تحت عنوان «أرض الحليب والمبتدءات» عن أوجه الشبه بين «وادي السليكون» في فلسطين المحتلة، و«وادي السليكون» بكاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ورد في هذا المقال عدد من الإشارات إلى جوانب وأسس حيوية، يبدو لي أن بالإمكان -من خلالها- استخلاص عدد من الإيجابيات التي قد تفسر الكثير من أسباب التقدم العلمي، وعناصر هذا التقدم وأركانه ومتطلباته، وقبل أن أبدأ في إيراد هذه الجوانب وتناولها بالتحليل والتفسير، أشير إلى أن المراد بالسليكون، هو العنصر الأساسي المستخدم في صناعة رقائق السليكون المستخدمة في مجالات تقنية المعلومات والاتصالات، كما أشير إلى أن الجوانب المادية والإدارية لدى القائمين على البحوث في هذين الموقعين، هو ما ارتكز عليه هذا المقال، حيث أشار إلى أن وادي السليكون الإسرائيلي، هو ثاني مجمع للتكنولوجيا في العالم، وبالطبع المجمع الأول يقع في وادي السليكون في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ويشير الكاتب إلى أن التماثل البيني كبير، وكبير جداً فيما يتعلق بثلاثة جوانب رئيسة، وأضيف هنا -أنها أيضاً هي نفسها، الجوانب الرئيسة في كل مجالات البحوث، وفي أي موقع كان، وإن إثراء المعرفة، وتطوير المنتجات المتولدة عنها هي نتاج طبيعي لكفاءة العاملين وحسن الأداء. وأورد الكاتب الجوانب الثلاثة المعنية، كما يلي:
1- أن التسلسل الإداري قليل أو غير موجود ولا يحظى بالاهتمام، وأقول: وبالتالي لا توجد عقبات ومعوقات إدارية، وما أكثرها في الدول النامية، وما أكثر تأثيرها السلبي على الباحثين، حيث إنها تعطي للإداريين- وهم من غير المختصين غالباً- حقوقاً واسعة الأحكام والتأثير في إجراءات ومجريات البحث العلمي، وبالتالي قصور إدراكهم لكنه وطبيعة البحوث العلمية ومتطلباتها والبيئة اللازمة لازدهارها.
2- أن الحرص على التجديد في مجالات البحث، أو تحمل مقدار من الخطورة في هذا المجال يقدر، ويشجع ويثني عليه.. وأقول: «تلك هي البنية الصحية التي تدفع بأبنائها إلى الأمام والملائمة للعمل المثمر».
3- الإخفاق، وينظر إليه كأحد الأمور الطبيعية والمتوقعة في حقول البحث العلمي ومقبول في هذا المجال، ولا يلام الباحث إن جانبه الصواب في الاجتهاد- وأقول: لقد ورد في الحديث الشريف: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»، إلا أن هذا القول لا يوجد في أذهان الإداريين في الدول النامية على وجه العموم، ولا مكان للمجتهد المخطئ، وله الويل مما يصف.
وفي مجال المقارنة والفارق بين «الواديين»، أورد الكاتب أيضاً أن هناك فارقا اقتصاديا، حيث أشار إلى أنه في عام 2007م قامت الشركات المعنية بالاستثمار في مجال الإنتاج باستثمار 1.76 مليار دولار في إسرائيل، مقارنة بعشرة مليارات دولار في وادي السليكون الأمريكي، وإن ما يصرف في هذا المجال الاستثماري يبلغ 7.2 مليار دولار في أوروبا كل عام، وأشار إلى أن معظم ما يصرف ليس للتطوير في مجالات الخدمات بل في ما يسمى «المبتدأ الأساس» في التقنية. ثم أبرز الكاتب ما يرى أنه «أهم مميزات العاملين الإسرائيليين» وهو اهتمامهم بالأمور التطويرية وقلة التفكير في تسجيل الاختراعات والملكية الفكرية. كما يشير كاتب المقال نقلاً عن أحد العاملين بشركة إسرائيلية، إلى أن إسرائيل أو الشركات الإسرائيلية لا تحصل على أحسن الأسعار لمنتجاتها ومع ذلك فلم يفت في عضدهم هذه الجوانب السلبية أو تؤثر على جهودهم، إلا لبعدها عن مواقع مستهلكي منتجاتها ولذا فإنه يقول: إن أخوف ما يخافه هذا العامل أن يتمكن المهندسون الصينيون- على وجه الخصوص- الوصول إلى مرحلة مماثلة من الكفاءة العملية ويصبحوا أكثر قدرة على المنافسة في هذا المجال، ويختم مقاله بما أورده أحد رؤساء إحدى الشركات ذات العلاقة، حيث يقول: «إن الأمهات الصينيات مثل الأمهات الإسرائيليات يطلبون الكثير من أبنائهم». هذه قراءة، وسرد لما ورد في المقال، وتعليق على بعض أجزائه، وقد أمسكت عن التعليق على أجزاء أخرى لوضوحها، وبالتالي انتفاء الحاجة للتعليق عليها.. فالكثير ممّا بين السطور يمكن قراءته، واستنتاج دلالاته، وصواب توجيهاته، ولا ضير أن يكون صادرا عن مسلم أو مسيحي أو يهودي، إن ثبتت سلامته.. والحكمة ضالة المؤمن إن وجدها.
* عضو مجلس الشورى
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 143 مسافة ثم الرسالة