التسول وعمال النظافة
كتب أخي الأستاذ عبدالله عمر خياط مقالا بعنوان (عمال النظافة.. والتسول) في جريدة عكاظ يوم السبت الماضي الموافق 10 مايو 2008م. وأشار الأستاذ خياط إلى أنه “لم يعد وقفا على هؤلاء وأولئك، إنما أصبح التسول حرفة عمال النظافة بالشوارع، حتى العاملين في الحرمين الشريفين، في الشوارع يلاحقون السيارات عند الإشارات، وبجوار المراكز التجارية وعلى أبواب المساجد بل وحتى في الأحياء بالتردد على أصحاب المنازل”.
ويضيف الأستاذ عبدالله خياط أنه “والذي لا شك فيه أن مردّ ذلك هو ضآلة راتب عامل النظافة الذي يقال إنه في حدود المائتين وخمسين أو ثلاثمائة ريال”.
والحقيقة أن قضية التسول هي قضية إنسانية وأمنية اقتصادية خطيرة جداً، لا بد من مواجهتها ومعالجتها بصورة مباشرة بعد أن أصبحت ظاهرة، قبل أن تستفحل كما استفحلت قضية التخلف والمتخلفين من المعتمرين والحجاج، ونقع في مشكلة لا نستطيع أن نجد لها حلاً.
كتبت سابقا أن انتشار أولاد الشوارع في مدننا، أصبحت ظاهرة سيئة غير إنسانية. وأشرت إلى أنه لكي نقضي على هذه الظاهرة لا بد لنا من أن نجفف التسول من منابعه، وذلك بأن نفرض مخالفة وغرامة مالية على كل من يتم ضبطه وهو يعطي نقوداً من سيارته عند إشارات المرور أو تقاطعات الشوارع. فمن يرغب بالتصدَّق هناك جهات معترف بها خاصة بأعمال البر والخير وتوزيع الصدقات؛ مثل جمعيات البر أو جمعية الأطفال المعاقين، أو حتى أئمة المساجد الذين يتولون توزيع الصدقات على الفقراء والمحتاجين .
أما أسباب تسول عمال النظافة في الشوارع والعاملين في الحرمين الشريفين الذين تحدث عنهم الصديق عبدالله خياط فهي تتلخص في بضع نقاط:
أولاً؛ ضعف الأجور والرواتب لهؤلاء البؤساء من الأساس، حيث يعمل الواحد منهم بأجور لا تزيد على خمسمائة ريال، بالإضافة إلى مسكن لا يليق في الغالب بحياة البشر.
ثانياً؛ حتى هذا الأجر المتواضع الذي يتقاضاه العامل قد تضاءلت قيمته الشرائية بسبب تضاؤل قيمة الريال أمام العملات الأخرى، فنقصت قيمة ما يرسله إلى أهله في بلده.
ثالثاً؛ الزيادة الهائلة في أسعار المواد الغذائية واللبس وجميع المواد الاستهلاكية والخدمات، دون صرف أية معونة لهذه الفئة من العمال، اضطرتهم إلى التسول واستدرار العطف.
رابعاً؛ إضطرار هذه الفئة الفقيرة من العمال إلى دفع مبالغ كبيرة في بلادهم للحصول إلى تأشيرة عمل في المملكة مما أضاف على كاهلهم مسؤولية تسديد تلك الديون.
خامساً؛ وهي أهم نقطة، عدم تحديد حد أدنى للأجور والرواتب، سواء للعامل الوافد أو للمواطن، وهو ما يفتح الباب لابتزاز واستغلال العمالة الوافدة واسترخاصها، وبالتالي الضغط على أجور ورواتب العامل الوطني بصورة ضارة.
صحيح -كما يقول الأستاذ عبدالله خياط- ان عمال النظافة أصبحوا ينافسون محترفي التسول في كل مكان، ولكن في رأيي أنهم أيضاً يستحقون العطف والعون، بل أرى أنهم يستحقون تناول الزكاة من المواطنين. هؤلاء يقومون بعمل مهم يستأنف القيام به المواطن السعودي، ويحافظون على نظافة الأحياء السكنية والتجارية مقابل رواتب وأجور ضئيلة جداً لا تتناسب مع أهمية الخدمة التي يؤدونها، كما أنهم تغربوا من بلادهم في سبيل توفير لقمة العيش لأنفسهم ولأهاليهم، فلا بأس علينا إنْ نحن تفضلنا عليهم ببعض من زكاتنا أو صدقاتنا، قبل أن يمدوا أيديهم كباقي محترفي التسول.
قبل عدة أعوام مضت؛ كان يعمل لدي في مكتبي الخاص عامل نظافة من دولة مالي، وكان يجيد الحديث باللغتين العربية والفرنسية، وكان ذلك الشاب يحصل على راتب ثمانمائة ريال فقط، وسكن، ولكننا لم نكن ننساه في المواسم والأعياد وأوقات الزكاة، وكلما تيسر.
بعد حوالي خمسة أعوام، استطاع ذلك الشاب المجتهد أن يبني لوالديه منزلاً في بلاده، ولنفسه أيضاً منزلاً مجاوراً لمنزل والديه، كما استطاع أن يدرس دراسة ليلية في إحدى الجامعات بالمراسلة وأن يحصل على شهادة جامعية في اللغة الإنجليزية، وعاد ذلك الشاب العصامي إلى بلاده بعد خمسة أعوم ليصبح مدرساً للغة الإنجليزية.
أشعر بالفخر والسعادة كلما تذكرت ذلك الشاب (حمدو)، وكيف يسْر لي المولى عز وجل لأفتح له باب الأمل، براتب محدود جداً لا يكفي بعضنا لتناول وجبة عشاء.
* * *
حدث خطأ مطبعي في مقالة الأسبوع الماضي، حيث ذُكر أن مساحة جدة بلغت قبل قرابة 28 عاماً أكثر من 380 ألف متر مربع، وهذا خطأ؛ إذ إن المقصود هو 380 كيلو متر مربع.
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 129 مسافة ثم الرسالة