د. عائض الردادي
تنظيم البث الفضائي وثقافة الكراهية
دعيت من وزارة الثقافة والإعلام مع مجموعة من المثقفين والمفكرين والإعلاميين السعوديين لجلسة استماع وتشاور حول وثيقة البث الفضائي التي أقرها مبدئياً وزراء الثقافة والإعلام في اجتماعهم الاستثنائي في فبراير الماضي، وقد حمدت الله على التفكير في هذه الوثيقة لعلها تعالج شيئاً مما مُلئ به الفضاء العربي من تلويث للدين والأخلاق والقيم وامتدّ الآن إلى السعي إلى تفتيت الهويات وتفكيك الوحدات الوطنية، وهو أمر يجب التصريح به وعدم التعامي عن معالجته أو الأخذ على يد دعاة الفرقة من العرب وغير العرب الذين عزفوا على معزف الحرية وهم بعيدون عنها، ولكنها تداعب العواطف أو هي كلمات حق سخرت لتنفيذ مآرب.
هناك سيطرة على مضامين البث تتوجه نحو ما يخدم المسيطر العالمي، وهناك أصحاب أموال دفعهم الطمع المالي إلى الاستثمار في الإعلام، وهو حق مشروع، ولكن ليس على حساب القيم الدينية والأخلاقية والوطنية، وهناك أصحاب أهواء وفكر يسّر لهم أصحاب المال إيصال هذا الفكر إلى الجمهور دون أن يخسروا شيئاً، وهناك من سعى لزرع ثقافة الكراهية عن طريق القنوات الشعبية بين القبائل أو الأعراق، وعن طريق القنوات الدينية بين المذاهب والأديان، وعن طريق القنوات الإقليمية بين أبناء الوطن الواحد في ظل واقع دولي يساند هذا الاتجاه بهدف تفكيك الوحدات الوطنية وزرع بذور الشقاق.
كانت الفضائيات تدمر الأخلاق بالعري والرقص وهدم سياج الأسرة، وتجاوزت الآن إلى ما سبقت الإشارة إليه، وازدادت نسبة الفضائيات في العالم العربي 270% منذ يناير 2004م منها 71% يملكها القطاع الخاص، وبلغ عددها (370) فضائية على عرب سات ونايل سات ونورسات عدا ما يبث على أقمار عجم سات وهي كثيرة.
ولذا فإن الحق مع وزراء الثقافة والإعلام في التقدم بوثيقة المبادئ، فمن حق الشعوب أن تحمي نفسها من الاعتداء على دينها وأخلاقها ووطنيتها، والأهم من الوثيقة هو الالتزام بها، وإن عهدنا من قومنا العرب عهوداً ومواثيق شرف إعلامي وغير إعلامي لا تجد مجالاً للتنفيذ وبخاصة إذا تصادمت مع توجه دول عربية. الأصوات المعارضة انطلقت من حماية حرية التعبير والخوف من العودة إلى زمن الرقابة في ظل الانفتاح العالمي الذي سمح بهذه الحرية، وهذا أيضاً حق مشروع، ولكن شتان بين حرية مسؤولة تخضع للقوانين والأنظمة وتحمي حق الشعوب وأخرى منفلتة لا ضوابط لها بل محصلتها خدمة الآخر بالتحريض على ثقافة الكراهية، وزرع الفرقة، وتحطيم الأخلاق، فالدول التي تداعب عواطفنا بمثل ذلك لديها قوانين تحمي الحقوق، ولديها قضاء ولا تصلح الحياة بلا نظام.
إن التفتيت الوطني الذي سرى في بعض الدول العربية عن طريق إنشاء كل فريق لوسائل إعلام تروج له وتعتدي على حق الآخرين، سيعمّ ما لم يُعالج بنظام يشرّع للحرية في ظل نظام يُحقّ الحق ويبطل الباطل، وهذا النظام سيكون كمشروع الدفاع العربي المشترك إن لم تكن له آلية ملزمة، فليست المذهبية ولا الإقليمية ولا القبلية جديدة بل نائمة، ولكن الفضاء المنفلت أيقظها ووجد استجابة من بعض الخلايا النائمة، والموضوع بدأ منذ السكوت عن قنوات التدمير الأخلاقي مما شجع على هذه الفضائيات، بل دعا الدول غير العربية لإطلاق فضائيات بالعربية تمويلاً وإدارة أو محتوى، وهذا شأن آخر ليس داخلاً في وثيقة المبادئ العربية ولكنه بحاجة لمبادئ عالمية تحمي حقوق الشعوب الدينية والعرقية والوطنية.
فاكس 012311053
IBN-JAMMAL@HOTMAIL.COM
للتواصل ارسل sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 123 مسافة ثم الرسالة