75 عاما على تأسيس أرامكو السعودية .. قصة الذهب الأسود (3)
1 مايو 1939.. تاريخ حوّل الحلم حقيقة وأطلق الزيت السعودي إلى العالم عبر رأس تنورة
هبة الزاهر، منى باوزير-الظهران
في اطار احتفالات شركة أرامكو السعودية بمرور 75 عاماً على تأسيسها وهي الاحتفالات التي تقام في مقر إدارة الشركة بالظهران و67 موقعاً من مواقعها في الداخل والخارج وتستمر فعاليات الاحتفال لمدة سبعة أيامٍ اعتزازاً بموظفي الشركة الذين كانوا وراء كل ما حققته من إنجازاتٍ عالميةٍ في مختلف المجالات. «عكاظ» تواصل نشر سلسلة من الحلقات التي تحكي القصة الكاملة للذهب الاسود في المملكة. تحدثنا في الحلقة السابقة عن توقيع اتفاقية الامتياز الاصلية للتنقيب عن الزيت بين المملكة وشركة “ستاندرد اويل اوف كاليفورنيا” في العام 1933 وأثرها العظيم على تدفق الزيت بكميات تجارية من بئر الخير. وفي هذه الحلقة نعرض لانطلاقة عملية تصدير الزيت السعودي مباشرة الى الاسواق العالمية وزيارة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال سعود -رحمه الله- الى الساحل الشرقي وفتحه صمام الانابيب التي من خلالها تدفق الزيت الى الناقلة “سكوفيلد”.
كان من الطبيعي أن تنتشر البهجة والسعادة في أوساط الجيولوجيين والعاملين في التنقيب عن البترول في المملكة، عندما بدأت بئر الدمام رقم 7 بإنتاج الزيت بكميات تجارية في شهر مارس من العام 1938، فهؤلاء الشباب، هم الذين جعلوا هذا الأمر واقعًا بعدما كان في حكم الأحلام.
لكن السؤال الذي طرح نفسه عليهم بعد ذلك وبشكل ملح، هو: كيف يمكننا نقل هذا الزيت إلى الأسواق التي هي في أمس الحاجة إليه؟
فريق للتنقيب وآخر للتصدير
لم يكن ذلك ليقف عائقًا أمام ماكس ستاينكي وفريقه التابع لشركة كاليفورنيا أريبين ستاندرد أويل (كاسوك)، فشعورهم بغبطة الإنجاز وبنجاحهم الباهر جعلهم يبدأون بالبحث عن المزيد من الزيت في أراضي المملكة الشاسعة، بينما جعلت الشركة الأم، ستاندرد أويل كمبني أوف كاليفورنيا، التخطيط لتصدير أول شحنة من الزيت الخام السعودي على رأس أولوياتها.
وهكذا كان، فقد تم تصدير أول شحنة تجارية من الزيت من المملكة بواسطة صندل النقل عبر الخليج العربي إلى البحرين حيث يتم تكريره هناك وشحنه. لكن ذلك الوضع لم يكن إلا حالة مؤقتة فقط، أما الهدف المنشود فكان شحن الزيت الخام السعودي مباشرة من المملكة إلى الأسواق العالمية.
ميناء التصدير الأول
لقد بدا للوهلة الأولى أن مدينة الخبر هي الموقع المنطقي لتصبح ميناءً للشحن كونها تقع على ساحل الخليج العربي وهي أقرب نقطة إلى جزيرة البحرين، إضافة إلى كون قرية صيد السمك الموجودة آنذاك، ذات رصيف بحري طويل يمتد مسافة في الماء. الا أن هذا الرصيف لم يُنشأ ليستوعب السفن وناقلات النفط الكبيرة، وإنما كان من أجل المحافظة على المراكب الشراعية المحلية التي يستخدمها الصيادون في صيد السمك، وحمايتها من الدخول إلى البحر أثناء الجزر، كما أن مياه هذا الميناء الضحلة، لم تكن مناسبة لاستقبال ناقلات الزيت العملاقة المحملة بالبترول.
الميناء الحلم
من هنا بدأ البحث عن ميناء بديل، فتم التوجه إلى شمال ميناء الخبر، حيث ساحل رأس تنورة الذي يتميَّز بمياهه العميقة وخليجه المحمي، لكن تحويل «حلم الميناء المناسب» إلى حقيقة يحتاج إلى عمل شاق، إذ يحتاج إلى بناء خطوط أنابيب وصهاريج تخزين، كما يتطلب إنشاء معمل لإزالة غاز كبريتيد الهيدروجين السام من الزيت قبل شحنه، إضافة إلى إنشاء معمل للتكرير وفرضة بحرية للناقلات، فإذا ما تم ذلك، فإنه قد يُكمل البنية التحتية الضرورية.
وقد باشرت الشركة تحقيق ذلك، بينما قامت بالفعل بتوسيع الرصيف البحري في الخبر ليستوعب الصنادل القادمة من البحرين وذلك لفترة مؤقتة أثناء بناء مجمع رأس تنورة.
أهلاً جلالة الملك
وقد تقيد العاملون في المشروع بالموعد الصارم لإكماله، ورغم أن إنشاء البنية التحتية الهائلة كانت في حد ذاتها تشكِّل ضغطًا عليهم، إلاَّ أنهم، إضافة إلى ذلك، وكجزء من تحديهم لأنفسهم ولكل الصعوبات، دعوا جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -يرحمه الله- للقدوم إلى الساحل الشرقي ومشاهدة أول ناقلة نفط وهي تُشحن بالزيت السعودي، وحددوا «بالنحت على الحجر»، اليوم الأول من شهر مايو من العام 1939 كموعد لا يمكن تغييره لذلك الحدث التاريخي.
كان الملك مسرورًا بزيارة المنطقة الشرقية لهذا الغرض، بصحبة جمع غفير من حاشيته، حيث غادر الرياض مع 2000 شخص من المرافقين في 500 سيارة.
وعندما عبرت سيارات الملك وحاشيته صحراء الدهناء القاحلة، انهمر عليهم المطر حيث اعتبروه فألًا حسنًا، لما يرمز له من الحظ السعيد في تراث الجزيرة العربية، وقد استفاد الركب من المطر للشرب وتعبئة مبردات السيارات.
وأثناء الليل مكث الركب في معقلاء، على بعد 150 كيلومترًا شمال غرب الظهران، وبعدها اتجه إلى أبو حدرية حيث التقوا توم بارقر ومجموعة من الجيولوجيين والمرشدين والطاقم المساند من شركة كاسوك الذين كانوا مشغولين بالبحث عن مزيد من الزيت.
لقد استغرقت رحلة الملك وحاشيته 10 أيام من الرياض إلى الظهران، حيث وصلوا في 28 أبريل، وكان العمل في الظهران محتدمًا لجعل مرافق الشحن جاهزة، بل لقد ازدادت وتيرته أكثر مما كان عليه، حيث كان كل شخص يعمل من أجل جعل مخيمي الظهران ورأس تنورة جاهزين لاستقبال الملك وحاشيته.
الناس قبل الزيت
استُقبل الملك بالترحاب من قبل موظفي الشركة وأسرهم، وكانت أول أسر الموظفين وصولًا إلى الظهران في العام 1937م.
لكن لم يكن موظفو الشركة هم الوحيدين الذين يتطلعون للقاء الملك، فعند وصوله إلى الظهران، رحبت به الأسر المحلية وشيوخ البحرين وقبائل البادية، وكان الملك يرغب في لقاء سكان المنطقة، فعزف عن الإقامة في المكان المعد بعناية له في الظهران وأقام في خيمة في الجانب الشرقي من الحي السكني المواجه لجبل الظهران، حيث كان هناك مكان الخيام التي بدت وكأنها غيمة بيضاء تسبح فوق رمال الصحراء.
وقد امتلأت مدينة الخيام بحاشية الملك الذين قدموا معه من الرياض والوافدين الآخرين ليصل عددهم إلى أكثر من 2700 شخص. وقد أصبح الجزء الشرقي من الجبل مجلسًا كبيرًا مفتوحًا على الهواء الطلق حيث عكس صورة المجلس السعودي بصورته التقليدية.
احتفالات التصدير
بعد احتفال الاستقبال الكبير الذي أقيم في الظهران، توجه الملك وحاشيته إلى رأس تنورة حيث تم تدشين احتفالات التصدير على متن ناقلة الزيت «د. جي. سكوفيلد»، التي كانت تتسع لـ81224 برميلًا من الزيت الخام.
وقد استُضيف الملك من قبل مسؤولي شركة سوكال واجتمع مع جيمس ستيرتون وهو المهندس الذي صمم مجمع رأس تنورة، كما صمم، أيضًا، في وقت لاحق كل منشآت الشركة بصورة عملية للعشرين سنة اللاحقة، وأقيمت مأدبة غداء على متن السفينة «سكوفيلد» على شرف الملك استضافها قبطان السفينة.
وبعد يومين من الاحتفالات والولائم، وأحاديث السمر والتواصل مع الناس، دُعي جلالة الملك في 1 مايو 1939 لفتح صمام الأنابيب القابعة تحت البحر التي من خلالها سيتدفق الزيت إلى الناقلة «سكوفيلد» التي تنتظر في المنطقة المغمورة.
ومثل المطر الذي انهمر على الملك وحاشيته وهم في أول الطريق عندما غادروا الرياض، كانت هذه، أيضًا، بداية سعيدة، فالزيت الذي تم شحنه من ميناء رأس تنورة في ذلك اليوم كان مجرد البداية، بينما تدفقت، فيما بعد، بلايين البراميل من الزيت إلى العالم من خلال ميناء رأس تنورة، لتحتفظ سجلات الشركة بجهود الموظفين الأوائل، الذين يستحقون كل الشكر والعرفان لهذه الجهود التاريخية المشهودة.