حمود البدر
المراهقة السياسية
تعدُّ فترة المراهقة في حياة الأفراد من أخطر فترات العمر بحيث يفقد المرء فيها قدرته على وزن الأمور بالشكل الذي يحدد الأخطار والانحرافات مما قد يقود إلى السقوط في الهاوية، وعلى العكس من ذلك إذا ما وجد قيادة واعية ترشد سلوك المراهقين،
وفترة المراهقة العادية للفرد هي تلك التي تبدأ من سن البلوغ إلى أن يجد البالغ الرفقة الصالحة التي تساعده على الوصول إلى الاستقرار النفسي والعاطفي، وعندئذ يبدأ المرء (ذكراً كان أو أنثى) البحث عن الوسائل النافعة لنفسه ولمن حوله، وعندما يبلغ سن الأربعين يكون قد طلق المراهقة إلى غير رجعة، إلا إذا كان هناك من تنشط لديه عوامل المراهقة (التي هي في غير محلها ولا هي في وقتها المعتاد).
وفي كل الأحوال؛ فإن فترة المراهقة يمكن أن يستفاد من حيويتها في أعمال مفيدة للمراهق ولمن حوله، ومن ذلك الاختراعات، والإبداع في إيجاد سلوكيات تبني للمبدع نفسه ومحيطه، أو ينحرف المبدع لكي يسلك سلوكيات تكون وبالاً عليه وعلى مجتمعه.
ومثل ذلك الدول -عندما يتولاها مراهقون- يكاد أن ينطبق عليها ما ينطبق على الأفراد بحيث يتحول الحماس الشخصي نحو الظهور وتلميع الذات إلى أعمال قد تكون خيراً كثيراً على النفس والأهل وجميع أفراد الشعب، وعندئذ يخلد ذلك المبدع -بأعماله الخيرة- نفسه، ومبادئه ومعتقداته السياسية والمذهبية.
أو يكون العكس من ذلك؛ إبداع هدام عندما يكون الهدف هو الظهور فقط في أقصر وقت من أقصر الطرق التي تتاح لذلك الفرد، وعندئذ يكون الضحية الوطن والمواطن والمبادئ والبناء والتنمية.
وما كنا نراه على أرض لبنان الشقيق في الأعوام الثلاثة الماضية -وماسبقها من فترات المراهقات السياسية التي عانى منها ذلك المحيط الجغرافي الجذاب، بحيث تتحول الحياة فيه من لذة الاستمتاع بالجو والمناظر الخلابة والإبداعات العلمية والفنية، إلى ظلام دامس يهيمن عليه الخوف والرعب والقتل والسلب والنهب. حتى إن المراهقين السياسيين الذين قادوا إلى ذلك المصير تشتعل في نفوسهم لذّة النصر ولكن لفترة محدودة يطفئها ما يرونه من دمار أمني وبنائي واقتصادي وسياسي.
ومع ذلك لا نرى أن عدد العقلاء الذين يستفيدون من دروس الماضي، يتزايد ويتنامى، بل نراه يتناقص ويتلاشى بشكل مخيف بمجرد أن يقول كليمات حماسية فيصفق لها الحضور ويشيد بها الأعداء من أجل المزيد من الهدم، وقد يشيد بها أصدقاء أساؤوا فهم الفكرة أو مغازيها، فأججوا الانحراف من حيث لا يعلمون أنهم يشعلون النار في الهشيم.
أمامنا الآن الموقف في لبنان الشقيق وما حدث فيه، في الأيام القليلة الماضية، من اقتتال طرب منه ذوو الأغراض المبيتة، أو من يسعون إلى تغليب مصالح سياسية أو تلميع مذاهب أو عقائد على أخرى، والضحية هم الحكومة والمعارضة، ومن يؤيد هؤلاء أو أولئك.
في هذا التناوش الذي حدث؛ برزت أيادٍ خفية كانت تحرك عملاءها وتزودهم بالمال والسلاح، فامتدت مساحة الخلافات إلى أماكن أخرى ما قد يخلق توترات سياسية لم تكن ظاهرة على السطح وقت اشتعال الفتنة.
بالطبع، هناك آراء متزنة واعية بما يفيد أو ما يهدم ولكن تلك الآراء يضيع بروزها صهيل المراهقين ومن يصفق لهم، وأكبر دليل ما رأيناه من أن عناصر كانت متخفية برزت وعلت أصواتها لتشجيع الانحراف، وتسويق آراء ومبادئ لا يسندها عقل ولا يؤيدها دليل منطقي، اللهم إلا السعي إلى هدم الآراء والمبادئ المتزنة وإحلالها بمبادئ وآراء منحرفة تدعو إلى تحدي العقل والاتزان، فأين أنتم أيها العقلاء؟ وأين الأساليب البناءة التي تجمع الأطراف المتنازعة لكي تتحاور لكي تصل إلى رأي صائب يبني ويؤصل الحياة العاقلة البناءة، وبخاصة أن عدو الجميع لا يبعد عن أرض المعركة إلا أميالاً قليلة يتصيّد الفرص لكي يجني محصول التناحر الذي أججه المراهقون السياسيون.
هدانا الله وإياهم إلى ما يحقق لأوطاننا وشعوبنا محيطاً مناسباً للبناء والتنمية، ويحيد ما هو العكس من نتاج المراهقين وآرائهم التي حرقها حب الظهور والتسابق إلى الزعامة.
hamoud@albadr.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 112 مسافة ثم الرسالة