المهن الحرجة في زمن الإغراء والغلاء
في حديث للنبي عليه الصلاة السلام نبوءة عن زمن وصف فيه أن “فساد الرجل على يدي أبويه، فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي زوجته، فإن لم تكن له زوجة كان هلاكه على يدي ولده، فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات والجيران”، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: “يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها”. ولا أعتقد أن هذا الوصف ينطبق على زمن أكثر من زماننا، حيث وللأسف الشديد فقد الكثير من الناس سجية قيم الاعتدال والرشد والفضائل في ما يتعلق بالاستهلاك، ويكفي فقط النظر لقيمة القروض البنكية الشخصية في المملكة العام الماضي، حيث بلغت 197 مليار ريال، وقيمة القروض التي تعثر الأفراد في سدادها للبنوك 7 مليارات، ويصبح الوضع أكثر حرجا بالنسبة لمن يمتهن مهنا ترتفع فيها نسبة المغريات المادية وتضع بين يديه تعاملات بعشرات الملايين ومجالا واسعا للفساد الإداري الذي هو أبرز معوقات كفاءة الواقع الاستثماري في أي بلد، فعلى سبيل المثال؛ المهندسون العاملون في القطاع الحكومي الذين تمر تحت أيديهم تعاملات بعشرات الملايين وتتعلق بقراراتهم مصائر المستفيدين من منشآت كالجسور والمدارس والطرقات، يعاملون من حيث نظام الخدمة المدنية معاملة الموظف الإداري العادي من حيث الامتيازات المختلفة، وأيضا المهندس بحكم طبيعة عمله الميداني كثيرا ما يضطر للصرف من جيبه على وظيفته من تكاليف التنقلات والاتصالات، بالإضافة لساعات الدوام الممتدة بشكل يفوق دوام أي موظف إداري، وكان عضو مجلس الشورى المهندس محمد القويحص قد تقدم بمقترح لتحسين أوضاع المهندسين، وتضمّن اقتراحه إتاحة المجال للمهندس العامل في القطاع الحكومي للعمل في القطاع الخاص بشكل مشروط ولا يتعارض مع وظيفته الحكومية، ولكون وظيفة المهندس بطبيعتها وظيفة غير مريحة، فقد أشار المهندس القويحص إلى أن نسبة المهندسين السعوديين لعدد السكان هو أقل من متوسط النسبة العالمية، وهناك نسبة كبيرة لتسرب مهندسي القطاع الحكومي إلى القطاع الخاص أو إلى وظائف أخرى تعليمية وغيرها بدل تخصصهم بسبب هذه الظروف غير المشجعة، وحسب القويحص هناك خمسة آلاف مهندس سعودي فقط يعملون في القطاع الحكومي، وهذا في مفارقة واضحة مع التوسع الكبير الذي تشهده حركة المشاريع الحكومية، وبطبيعة الحال جاءت ظاهرة غلاء المعيشة التي يرجح الخبراء أنها تغير عالمي طويل الأمد، لتفاقم هذه الأوضاع، وصحيح أنه من حيث المبدأ يجب أن يكون الوازع الإيماني والأخلاقي هو الأساس لحماية الموظف من الفساد تحت أي ظرف، لكن أيضا توفر ظروف الإغناء المادي والمعنوي تساعده على ذلك وتعزز رفع كفاءته وإنتاجيته.
*تجاوبا مع مقال سابق عن فيلم (فتنة) التسجيلي الهولندي المسيء للإسلام، الذي اقترحت فيه إنتاج فيلم مضاد يبن الحقائق، أرسل إلي مجموعة من الإخوة من الجالية المسلمة في ولاية كيرلا الهندية بأنهم شرعوا فعلا بإنتاج فيلم تسجيلي يؤدي هذا الغرض بالتشاور مع الندوة العالمية للشباب الإسلامي، فجزاهم الله خيرا ووفق مسعاهم.
bushra.sbe@gmail.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 111 مسافة ثم الرسالة