75 عاما على تأسيس أرامكو السعودية .. قصة الذهب الأسود (2)
«توكَّل على الله ووقِّع» عبارة المؤسس التي وضعت اللبنة الأولى للتحول الكبير
هبة الزاهر، منى باوزير-الظهران
نستكمل في هذه الحلقة التمهيد لاحتفال شركة أرامكو السعودية يوم الأحد 1429/5/20 هـ بمرور 75 عاماً على تأسيسها من خلال اقامة احتفالات في مقر إدارة الشركة بالظهران و67 موقعاً من مواقعها في الداخل والخارج على ان تستمر فعاليات الاحتفال لمدة سبعة أيامٍ اعتزازاً بموظفي الشركة الذين كانوا وراء كل ما حققته من إنجازاتٍ عالميةٍ في مختلف المجالات. “عكاظ” وفي هذا المناسبة تنشر سلسلة من الحلقات التي تحكي القصة الكاملة للذهب الاسود في المملكة. في هذه الحلقة نتحدث عن توقيع اتفاقية الامتياز الاصلية في العام 1933 التي افضت الى تدفق الزيت بكميات تجارية في المنطقة الشرقية وبالتحديد في البئر رقم 7 “بئر الخير” وننشر كلمتي وزير البترول والثروة المعدنية المهندس علي النعيمي ورئيس ارامكو عبدالله بن جمعة في هذه المناسبة:
يعود الفضل في توقيع اتفاقية الامتياز الاصلية للتنقيب عن الزيت بين المملكة وشركة “ستاندرد اويل اوف كاليفورنيا” (سوكال) العام 1933م الى الرؤية الحكيمة الصائبة من لدن المؤسس جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -يرحمه الله- الذي أعطى أوامره للشيخ عبدالله السليمان وزير المالية وممثل المملكة في المفاوضات مع شركة سوكال بالتوكل على الله وتوقيع الاتفاقية. وقد أسفر هذا القرار المبكِّر الحكيم عن السماح للجيولوجيين الأمريكيين بالتنقيب عن الزيت في المملكة التي كانت حينئذ لا تزال حديثة العهد، والتي كانت على موعد مع وضع اللبنة الأولى في تحولها الاقتصادي الكبير، الذي سيشهد فيما بعد زخمًا كبيرًا بني على انطلاقة صناعة البترول وتطوراتها.
لقد أفضت تلك الاتفاقية إلى تدفق الزيت بكميات تجارية في المنطقة الشرقية من بئر الخير (البئر رقم 7) وتوالت بعد ذلك الاكتشافات والإنجازات النفطية، لتمتلك المملكة اليوم أكبر احتياطي في العالم قابل للاستخراج من الزيت الخام والمكثفات، يبلغ تقريبًا 260 بليون برميل، كما تحتل المرتبة الرابعة على مستوى العالم من حيث احتياطات الغاز الطبيعي، التي تبلغ نحو 249 ترليون قدم مكعبة. وتعد أيضًا أكبر دولة مصدرة للزيت الخام، إذ صدَّرت -من خلال أرامكو السعودية- أكثر من 2.5 بليون برميل في عام 2006م (بمعدل 8.9 ملايين برميل في اليوم).
خمسة وسبعون عامًا من الإنجازات التي لم تتثاءب ولم تتوقف، بل إن هذه المناسبة حين تحل علينا فإنها تعني -بمشيئة الله- الاحتفاء بعقود أخرى من تأمين الطاقة والازدهار لكل شعوب العالم. ولعل من المناسب أن نذكر في مطالع احتفالنا بهذه المناسبة أن أرامكو السعودية تركِّز في الوقت الراهن على عملية توسع غير مسبوقة في مجال إنتاج الزيت، من خلال برنامج يعد الأكبر من نوعه في تاريخ الشركة، وذلك من خلال عدة مشاريع ضخمة للزيت الخام على مراحل متنوعة من التطوير.
وتتوقع الشركة أن تزداد احتياطاتها بصورة كبيرة في السنوات القادمة من خلال أعمال التنقيب المستمرة وتطبيق التقنية الحديثة في الإنتاج وإدارة المكامن. هذا بالإضافة إلى قيام الشركة بمشاريع تاريخية في مجال التكرير، وذلك في إطار سعيها لاستغلال احتياطات المملكة من المواد الهيدروكربونية لتنويع الاقتصاد الوطني.
وفي خضم استعداداتها للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين، تشق الشركة طريقها بقوة إلى الأمام، حيث يرتسم وراءها ماضٍ حافل بالإنجازات بفضل الله ثم بفضل موظفيها وما يتمتعون به من ابتكارات ومهارات وخبرات، وما قدموه من إسهامات مميزة في مسيرة التنمية في المملكة وما وفروه للعالم أجمع من أسباب تطوره وتقدمه المبني على معطيات ومنتجات الطاقة.
إن هذه الذكرى ستمثِّل مفصلًا مهمًا في عمر أرامكو السعودية، حيث تواصل مشفوعة بكفاح وجهود أجيالها السابقة، مسيرتها نحو المستقبل بقوى عاملة حديثة وواعدة تبنى على يقين من سبقها من الروَّاد بأن الغد دائمًا أفضل من اليوم.
كما سيرفرف شعار «طاقة للأجيال»، الذي يُظهر التزام موظفي الشركة بتسخير ما لديهم من طاقات ومهارات -كما كان دأبهم على مدى الأجيال- لتزويد العالم باحتياجاته من الطاقة.
كما أن مراسم الاحتفالات بهذه المناسبة لن تقتصر على استعراض تاريخ أرامكو السعودية، بل سيجري فيها تكريم الموظفين والمقاولين والشركاء والموردين وغيرهم نظير إسهاماتهم في نجاح الشركة على مدى السنوات الطويلة الماضية، وعلى ما سيسهمون به في المستقبل، إن شاء الله.
التحديات والانبهار
وقد كتب وزير البترول والثروة المعدنية المهندس علي بن إبراهيم النعيمي في مناسبة هذه الذكرى الكلمة الآتية:
الذكريات صدى السنين كما يقال. وإذا رجعت بذاكرتي إلى سنواتي الأُول في شركتنا أرامكو السعودية فسوف أتذكر الكثير من المواقف وحالات الانبهار وتحديات الإنجاز الشخصي والعملي. وسوف أتذكر أيضًا الكثير من الزملاء والأصدقاء السعوديين والأجانب الذين صنعوا بأيديهم وعرقهم وأفكارهم هذه الملحمة النفطية السعودية، المشهود لها بالثبات والتفوق. تلك الذكريات العطرة التي تسكن نفسي وقلبي وفكري وتحيا معي غير منفصلة عما يحققه روَّاد اليوم بعد ما حققه روَّاد الأمس.
ويسرني أن أشارككم فرحة التمهيد لاحتفالات الشركة بمناسبة مرور خمس وسبعين سنة على توقيع اتفاقية الامتياز في العام 1933م، حين أشار المؤسس جلالة الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- لوزير ماليته آنذاك الشيخ عبدالله السليمان -يرحمه الله- بعد أن تلا عليه بنود الاتفاقية، بأن يتوكَّل على الله ويوقِّع عليها، لتبدأ منذ ذلك الحين المسيرة النفطية والتنموية السعودية، التي وضعت المملكة في قلب صناعة الطاقة في العالم.
لقد كانت البئر رقم 7 أو بئر الخير، كما سماها خادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- أثناء إحدى زياراته الميمونة للشركة، هي نقطة انطلاق هذه المسيرة الحافلة بالاكتشافات الضخمة من البترول والغاز والمشروعات الكبرى التي بناها إنسان وطننا بمشاركة خبرات أجنبية مرموقة، كان لها مع أبنائنا الفضل في تحقيق النجاح لمسيرة صناعتنا النفطية، التي نعتز بها كعاملين في حقل هذه الصناعة وكمواطنين يسهمون ويستفيدون من عطاءاتها ومنتجاتها وأثرها على اقتصادنا الوطني.
لقد حفلت هذه المسيرة بالكثير من الصعوبات والدلالات والمنجزات والعِبر. وأرجو أن ننجح جميعًا في نقل دلالات وصور هذه المسيرة إلى جيل المملكة الحاضر وأجيالها القادمة لكي يتأسوا بخطوات آبائهم وأجدادهم، الذين أطلقوا هذه المسيرة وسقوها وسهروا عليها وأحاطوها بجهدهم وسواعدهم وعقولهم، لتؤتي ثمارها. ولو كان لي أن أضع عنوانًا لهذه المسيرة لقلت إنه تطوير الموارد البشرية السعودية، التي تعلَّمت وتدرَّبت وتأهَّلت لتعمل وتقود مسيرة صناعتنا البترولية وتصل بها إلى أهدافها، تحت رعاية وعناية ضافية ودائمة من لدن قيادات بلادنا الحكمية التي ما فتئت منذ أول يوم وإلى يومنا هذا تحيط صناعتنا النفطية برعايتها وعنايتها.
معزوفة جميلة ممتدة
وكتب رئيس أرامكو السعودية وكبير إدارييها التنفيذيين عبدالله بن صالح بن جمعة ما يلي:
مثلما حفرت بئرها الأولى وأبقت عليها شاهدًا حيًا على المنجز التاريخي، حفرت شركتنا الوطنية في ذاكرتها جيدًا ذلك اليوم النفطي الكبير الواقع في العام 1933م، وبنت عليه معزوفة جميلة ممتدة وحافلة بالإيقاعات والمنجزات التنموية الكبرى على صعيد الإنسان والإعمار والتطور بكل تفاصيله وشروطه وانعكاساته على حياة الناس وحياة أبنائهم.
يذكر كل منَّا يومه الأول في الشركة. واليوم هو ابن الأمس ومنه نبدأ قراءة مسيرة الشركة التي لم تكن مسيرة عادية إذا ما أخذنا عوامل الجغرافيا والمناخ والعنصر البشري في الاعتبار. كثيرون -بدون أدنى شك- ترددوا في سنوات الشركة الأولى في الاعتراف بأن هذه الشركة الوليدة، المحاطة بظروف عديدة صعبة وأحيانًا مستحيلة، ستنجح في مسيرتها وتحقِّق ما حققته اليوم من الحضور الوطني والدولي الكبير. وقد كنت مع عدد من الزملاء الأصدقاء، مدفوعين بيقين من سبقنا من جيل الروَّاد، على قناعة كاملة بأن شركتنا ستمر -بإذن الله- مرورًا آمنًا وقويًا إلى مستقبلها.
وقد كان منبع قناعتنا أن ما وفرته قيادة المملكة لها منذ عهد جلالة الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- وما وفرته الشركة لنفسها من وسائل تعليم وتدريب وتأهيل منذ سنواتها الأُول هي الضامن، بعد توفيق الله جلَّ وعلا، لأن تعبر بسلام وإتقان لتحتل مكانتها بين كبريات شركات النفط الدولية، وهاهي -بحمد الله- تحتل من بينها مجتمعة المركز الأول لسنوات متوالية وإلى الآن.
لقد صدقت قناعاتنا، وصدقت تلك التوقعات التي أسس لها روَّاد نحتفظ لهم ويحتفظ لهم الوطن بالكثير من التقدير والامتنان، لكن هذا الصدق كان له ثمن هو الرغبة الملحة بالنجاح لدى كل موظف في الشركة من سعوديين وأجانب، جمعتهم التحديات وتبادلوا، مع الخبرات والابتكارات، جدية الأداء وارتفاع مستوى الطموحات لديهم. كل موظف في الشركة، وهذا هو سر نجاحها ومصدر فخرنا في آنٍ، لديه ما يكفي من طاقة العمل والإبداع لكي يبقي الطاقة التي تُسيِّر العالم متوافرة وموثوقة لنظل ملتزمين بدورنا وبدور مملكتنا في المشاركة بصناعة العالم الحديث.
إنني باختصار، إنابة عن جيل كامل من أجيال الشركة، سعيد بحلول مناسبة احتفالاتنا بمرور خمس وسبعين سنة على توقيع اتفاقية الامتياز للتنقيب عن النفط بالمملكة. وسعيد بأن أشارك الجيل الجديد، الذي سينقل شركتنا بدوره إلى آفاق جديدة، الفرحة بهذه المناسبة. وليس لدي أدنى شك بأنها ستبقى في نفوسنا ما بقيت لدينا العزيمة على تحمل مسؤولية الحفاظ على شعارها المهم وهو: توفير الطاقة للأجيال.