الصراع على النفوذ في لبنان
يمكن القول إن سلوك الدول لا يخرج عن أحد النمطين التاليين: الصراع أو التعاون. وما يحصل في لبنان هو صراع على النفوذ والمصالح بين القوى الداخلية والخارجية، يعزز منه بطبيعة الحال الخصائص السياسية والثقافية للبنان؛ حيث تسود الديمقراطية التوافقية مغلفةً بلباس طائفي أرسى التشريع الدستوري الوطني أسسه.
ما حدث في الأيام القليلة الماضية هو صراع من نوع خاص، له تداعيات تتجاوز توازن القوى المحلي داخل لبنان التي أصبحت تميل بشكل واضح لحزب الله. وهذا في الحقيقة يؤكد مرة أخرى أن القوة العسكرية لها القول الفصل في الغالب، لا سيما عندما تكون المنطقة ذات ميل كبير للنزاع والانقسام. قوة حزب الله تنبع من عدة عوامل: أولاً، العامل العسكري، حيث استطاع حزب الله بناء ترسانة عسكرية تتجاوز في قوتها قوة الجيش اللبناني، مستغلاً في ذلك الدعم الكبير الذي يتلقاه من إيران وسوريا من ناحية، والتنظيم الصارم والمهني الذي يمتاز به الحزب من ناحية أخرى، ناهيك عن أن شرعية الحزب السياسية قامت في البداية على مفهوم المقاومة والنصر ضد العدو (إسرائيل) مما يجعل للجانب العسكري أهمية قصوى في إستراتيجية الحزب. ثانياً، ضعف القوى اللبنانية المحلية الأخرى يجعل حزب الله يبدو أكثر قوة من غيره ويزيد من تأثيره السياسي على الساحة اللبنانية ويجعله يتبنى مواقف سياسية أكثر تصلباً. ثالثاً، الخلل الواضح الذي أحدثته السياسة الأمريكية في السنوات القليلة الماضية في ما يتعلق بتوازن القوى الإقليمي من خلال احتلالها للعراق وتنامي قوة إيران وزيادة نفوذها الإقليمي، عزز من ثقة وثقل حزب الله وساهم في تآكل نفوذ قوى الاعتدال الأخرى (داخل لبنان وخارجه). بل إن السياسة الخارجية الأمريكية المتهورة ساهمت بشكل فاعل في تأجيج الصراع والاختلافات داخل الجسد الإقليمي، في ظل قصور وعجز واضحين من قبل صناع القرار في واشنطن في التأثير على مخرجات الصراع الإقليمي.
لبنان يعيش أياماً قاسية وقوى الموالاة سوف تجد نفسها مجبرة على بناء قوتها العسكرية، لأن الجيش غير مستعد للدخول في نزاع بين قوى داخلية، بينما ليست هناك قوة عسكرية خارجية راغبة، على الأقل قي الوقت الحاضر، في التدخل عسكريا ضد حزب الله. في عام 1976، تم تشكيل قوة الردع العربي التي جاء معظم قواتها من سوريا، لكن ذلك كان في ظل عدم وجود قوة عسكرية داخلية بقوة حزب الله، كما كان التدخل السوري في لبنان حاسماً في وقت لم يكن لدى أيٍ من القوى السياسية المحلية القدرة على الحسم.
من ناحية أخرى، تكمن قوة الجيش اللبناني في عدم تحيزه لطرف ضد آخر، وبقائه على الحياد. في الأزمة اللبنانية عام 1958، رفض قائد الجيش اللبناني فؤاد شهاب التدخل لصالح الرئيس كميل شمعون وأنصاره، كما رفض أيضاً الوقوف بجانب التيارات القومية والوطنية المعارضة الأخرى، وانتهى المطاف بالجنرال فؤاد شهاب رئيساً للبنان بعد حل الأزمة. الوضع الحالي مختلف نسبياً عما كان عليه في السابق، لكن من المؤكد أن حزب الله لن يقوم بنزع سلاحه وهذا يبقيه صاحب الكلمة الفصل في الشأن السياسي اللبناني. في نفس الوقت الذي يعتبر ذلك مؤشراً على تزايد نفوذ القوى الداعمة للحزب وتوجهه مقابل تضاؤل دور وتأثير أحزاب الموالاة.
تحجيم قوة حزب الله العسكرية لن يتم إلا بطريقة قسرية، لأنه يرفض علانيةً التخلي عن سلاحه، والجيش اللبناني غير قادر على ذلك ومن المستحسن له أن يبقى على مسافة متساوية من الطرفين. الحد من قوة حزب الله العسكرية لا يكون إلا من خلال تدخل عسكري فعال، أو بناء قوة عسكرية من قبل قوى المولاة بدعم مالي وإمداد عسكري كبيرين ،رغم أن ذلك سيحول لبنان إلى مليشيات عسكرية متنافسة.
knhabbas@hotmail.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 145 مسافة ثم الرسالة