أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
التنين والأزمة اللبنانية
زرت بيروت قبل سنوات قليلة، وكان ذلك قبيل مقتل الرئيس الحريري بعدة شهور، وأذكر أنني كنت أجلس إلى جانب سائق التاكسي وأتجاذب معه بعض الحديث، فقلت له إن بلدكم جميل وجوه رائع، وأهله مضياف، إلا إن تفشي داء الطائفية فيه، يذكرني بجهاز كمبيوتر محمول قد ضربه (فيروس) قوي لا يستطيع صاحبه من إلغائه من ذاكرة ذلك الكمبيوتر كي يعود ليعمل بشكل طبيعي. التفت إليّ السائق وقال بتهكم، صحيح أن الطائفية مرض يفت في عضد بلدنا، ولكن ذلك فقط عند الأزمات، أما في العديد من الأيام الأخرى فإن الطائفية تساعدنا حيث نصوّت لبعض الشخصيات السياسية لنكسب بعض الأموال منها، ولو كنا غير مقتنعين بجدارتها وكفاءتها السياسية.
مضيت في طريقي يومها، وحين احتدمت الأزمة اللبنانية مجدداً في الأسبوع الفائت، تذكرت ما قاله سائق التاكسي، من أن الطائفية تطل بوجهها القبيح حين تتأزم الأمور بين أبناء الشعب الواحد. وتذكرت ما قاله حين أدلى بصوته مقابل حفنة من المال. فلو كان هو وأمثاله يصوتون لصالح الرجل الكفؤ في المنصب السياسي، لما انحدرت الأوضاع إلى ما وصلت إليه في الوقت الحاضر.
الأزمة في لبنان هي أزمة طائفية، وهي كذلك أزمة نخبة سياسية غير قادرة، وربما غير آبهة بقيادة سفينة بلادها إلى بر الأمان. والزعيم السياسي في لبنان في الغالب ورث منصب الزعامة من أسرته المهيمنة على مقاليد السلطة منذ فترة زمنية، وهو لا يحكم باسم الوطن والمواطن، ولكنه يهتم بشكل أساسي بالمجموع السياسي الممثل في منطقته الانتخابية، وإن زاد ذلك فإن هاجسه الرئيس هو الطائفة التي ينتمي إليها. والأزمة اللبنانية الحالية بدأت تتشكل منذ أكثر من عام، حين علق عدد من الوزراء مشاركتهم في حكومة السيد السنيورة، وطالبوا بشروط معينة لعودتهم إليها من أهمها ضرورة حصول جميع قرارات الحكومة على إجماع كامل من الأعضاء، وليس على أغلبية مطلقة. ثم جاءت مشكلة فراغ الرئاسة من منصبها، وفشل الجسد السياسي اللبناني على التوافق على مسمى شخصية سياسية تحظى بإجماع المجلس اللبناني. واستمرت الحكومة اللبنانية دون رئيس منتخب منذ نوفمبر الماضي برغم وجود شبه توافق على تسمية اللواء ميشال سليمان كرئيس مستقبلي للبنان.
ثم تزايدت المطالب من أجل إجراء انتخابات نيابية جديدة، وتعديل لقانون الانتخاب في لبنان. وقد تزامن هذا الشلل السياسي مع تراجع اقتصادي مخيف في لبنان نتيجة لتخوف السياح من زيارة هذا البلد الذي يعيش بصفة رئيسية على السياحة والخدمات. كما أن التوتر في العلاقات بين سوريا ولبنان قد أثر في بعض الأحيان على مقدرة المزارعين اللبنانيين على إيصال منتجاتهم الزراعية بشكل سريع إلى أسواقها التقليدية. ويتساءل المرء ترى ما الذي يحفز الصراع بين المعارضة والأغلبية في لبنان؟ هذا السؤال المهم ينبغي التصدي له من جانبين، الجانب الأول فيه هو تخوف حزب الله من تفكيك سلاحه ونزعه، كما جاء في قرار مجلس الأمن رقم 1559، الذي صدر قبيل الحرب الإسرائيلية ضد لبنان. أما الدافع الثاني فهو رغبة المعارضة في إلغاء اتفاق الطائف لعام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية الثانية، وإعادة تقييم التوازنات السياسية على أساس النموذج العراقي.
إذاً فالمسالة أعمق من انتخاب رئيس بلاد جديد، وأعمق من إعادة كتابة قانون الانتخابات اللبنانية، وإعادة رسم المناطق الانتخابية. فالهدف أعظم ويتمثل في إعادة توزيع السلطة، وإنهاء التقسيم القديم الذي أقر عام 1943م، وتوزعت فيه المناصب السياسية في البلاد على أساس طائفي.
وفي سبيل ذلك يمكن أن تنتهك بيروت بقوة السلاح وأن يتقاتل التياران السياسيان المتنافسان في طرابلس وغيرها من المدن اللبنانية. وأمام ذلك لا يستطيع أن يتحرك الجيش المشلول الذي كان آخر معقل موحد للدولة اللبنانية الواحدة ومؤسساتها. ويتساءل المراقبون لماذا لا يتحرك الجيش المجهز بأجهزة ومدرعات ربما تفوق تسلح الفئات والمليشيات اللبنانية. ويأتي الجواب بأن المؤسسة العسكرية نفسها قد بنيت على أساس طائفي. وأن تخوف قادته العسكريين هو في تفكك صفوف الجيش مثلما حدث مع الجيش العراقي حينما حاول مقاتلة قوات الصدر في البصرة.
الخطر الطائفي هو تنين هائل يكاد يعصف اليوم بلبنان مثلما عصف بالعراق. وهذا التنين الهائل الذي يحطم بعض المجتمعات العربية ويوقف تقدمها الحضاري لا يمثل أي حلّ للأزمات الحاضرة، بل هو أفعى تأكل الحاضر ولا تخلق المستقبل. وإن ترك هذا الأفعى يتزايد وينقر في النسيج الاجتماعي والسياسي في بعض الدول العربية، فإن مستقبل الدول العربية، مثلما هو مستقبل لبنان في خطر، إذا لم ينتبه المسؤولون عنه قبل فوات الأوان.
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 119 مسافة ثم الرسالة