قصة قصيرة
بواعث الاشجان
عبدالله ساعد المالكي
كل ليلة يعتلي قمة الجبل المجاور المطل على طرف من المدينة الصاخبة بالحياة. يترك العنابر الخشبية المخصصة لسكن العمال غارقة في العتمة والضجيج مرصوصة كعلب الكبريت. غاصة بالاجناس البشرية من مختلف اصقاع المعمورة يحمل معه تعبه واستهلاك يومه من هموم الآخرين التي يسكبونها، كلمات ومعاني على اعطافه دون اذنه. وفي سكون لا يتخلله سوى لهاث أنفاسه يتأمل صفحة السماء المبسوطة على الأرض يحاول بلهفة ان يصل الى عمق انبعاث كل ضوء كي يسبر كنهه ويحيط بمدى توهجه ولمعانه يتشتت ذهنه بين جزيئات الاسرار المخبأة عند نهاية كل انبعاث تحلق به الذكريات المجنحة الى كل ركن خفي في اعطاف الذاكرة. يهمس لروحه الهائمة، وعيناه شاخصتان الى حيث ومض الاضواء، هناك لا شك توجد حياة، هناك لا شك ضحكات، هناك امل، هناك غربة؟ هناك شوق وتوق وحنين، هناك جروح هناك وجد، هناك خيبات، هناك ايضا ربما مرض.
لم يدرك كنه القدرة السحرية في تلك الاضواء الخافتة التي تجعل مشاعره رهنا لتوهجها وخفوتها وتمددها عبر المسافات، تأتي فتعبث بذاته وتزرع في بيادرها بيارق يلمع سناها ترفف وتخفق بها كل ليلة، ولا لماذا تكتسب الاشياء دائما من حولها غموضا، ولا لماذا يتفتت فؤاده وهو يرصد ومضها بين التوهج والخفوت يلمحها في صفحة السماء وفي النوافذ المهملة والمنازل المهجورة وعلى الطرق الموحشة العابرة لقفار الظمأ.يتساءل بين همس وجهر "ما الذي يقدح في ذاتي تلك الشرارة كي يشتعل في اعماقي كل هذا الحنين عند رؤيتي لتلك الحزم المتفاوتة البريقة من الضوء في عتمة الامسيات".
يغوص في اعماقه المتشظية بلواعج الشجن يبحث في اعطافها المتقدة عن حصاد يومه من الكلمات يعود الى ما ترسب في ذاته الشجية من عبارات وايماءات وبواعث كدرت خاطره.
اعاد شريط ذاكرته فقرة فقرة لعله يجد في ثنايا الكلام ما ينبئه عن سر الاشتعال، مرت كلمات وعبارات الاخرين في خاطرة كحبات مسبحة "كهرمان" تعبث بها الاصابع.
زواج، اقتراف، توافق، محبة، خيانة، وفاء، جوع، عطش، غناء، فقر، دموع، هجرة، غربة في ديار بعيدة، موت، نسيان.
اي كلمة او جملة هي الشرارة التي كدرت خاطري حين سمعتها وحفرت فيه كمعول؟ تساءل بحرقة، هل هو البعد والنوى يفترق المحبين وتغيب العيون قسرا وهي تمطر بالدموع حيث تتحول في الطرقات كل الكائنات الشبيهة الى صديقة وحيث يصبح جرح كلمات الاخرين كجرح الامواس وتتحول ضحكاتهم الى ناقوس يوقظ في الذات حنينا متصلا الى حيث "الوليف" وعناوين الوجوه الحنونة، هل هي الغربة حيث يفقد الفرح طعمه والجديد رونقه وتتحول ضحكات الصغار الى أجراس حادة توقظ في الاعماق مشاعل الحنين الى قبلات المحبين ولمس اطرافهم في ليلة العيد؟ اوقف شريط التذكر وهتف في سكون اعماقه انها هي هذه هي الجملة التي كدرت خاطري "غربة في ديار بعيدة"