«الأدب في خطر» لتودوروف
المناهج النقدية سبب رئيسي لتراجع الأعمال الأدبية
شايع بن هذال الوقيان
"لو سألتُ نفسي اليوم لماذا أحبُّ الأدبَ؟ فالجواب الذي يتبادر عفوياً إلى ذهني هو: لأنه يعينني على أن أحيا"... هكذا يقرر تزفيتان تودوروف منذ البداية أن الأدب مرتبط بالحياة وأنه ليس مقطوع الصلة بما هو خارج النص. ولكن ما الذي جعل تودوروف الذي بدأ حياته العلمية والأكاديمية شكلانياً وكل عنايته منصبة على مادية النص، أن يتجه بهذه القوة نحو المضمون والمحتوى أي نحو ما تتكلم عنه الأعمال الأدبية؟
الجواب يعرضه علينا في كتابه (الأدب في خطر) الذي يعد بمثابة سيرة أدبية للمؤلف يسرد فيها حكايته الأولى مع الأدب ومع الإيديولوجية الشيوعية التي كانت تسيطر على بلغاريا؛ بلده الأصلي. فقد نشأ صبياً وعشقه الأول هو الأدب حيث قرأ ألف ليلة وليلة وأوليفر تويست وأتم أول كتاب له على ركبتي جدته كما يروي.
في عام 1956م التحق بجامعة صوفيا وكان التعليم الجامعي وقتئذ في قبضة الإيديولوجية الرسمية وكان على المواد والنصوص الأدبية أن تخضع لهذه الإيديولوجية وتخدمها، ولم يكن للأساتذة من بد سوى أن يجروا فرزاً دقيقاً لتاريخ الأدب قائماً على التصنيف الحدي للإيديولوجية الشيوعية.
ولما كان تودوروف لا يؤمن بالشيوعية، ويجد من الصعب عليه أن يكون موظفاً يشتغل على النصوص المتمشية مع الإيديولوجية السائدة فقد قرر أن يركز على مجالات أدبية لا علاقة لها بالشعارات السياسية والمقولات الماركسية اللينينية.. فوجد ضالته في ما يتصل بمادية النص وأشكاله اللسانية. وهكذا تخلص من عناء معالجة موضوعات النصوص ذوات الحمولة الإيديولوجية. وقد سبقه إلى هذه الحيلة الشكلانيون الروس في عشرينيات القرن العشرين.
من جينيت إلى بارت
ويروي المؤلف كيف واتته فرصة السفر إلى أوروبا لإكمال الدراسة. وأوروبا حسب قوله هي البلاد التي تقع في الجهة الأخرى من "الستار الحديدي" الذي كان من المستحيل اختراقه!
ذهب إلى باريس عاصمة الفن والأدب والمناهج الحديثة التي تعتني بالشكل والأسلوب والبنى. وفي السوربون رغب في مواصلة دراساته حول الأسلوب واللغة والنظرية الأدبية، لكن عميد كلية الآداب أخبره بأن عليه التخصص في إحداها ولا يمكن دراستها في العموم. ولكن صديقاً له عرَّفه على أستاذ يهتم بهذه المسائل الغريبة، وهذا الأستاذ هو الناقد المعروف جيرار جينيت.. فالتقى به وانعقدت بينهما صداقة ومودة حميمة. يقول تودوروف: "وذات يوم قرر جينيت أن يعرفني على أستاذ كان يدير حلقة دراسية في معهد الدراسات العليا واسمه- الذي لم أكن قد سمعت به أبداً - رولان بارت".
من هذين اللقاءين بدأ حياته المهنية كما يقول وقرر الإقامة في فرنسا، وتزوج سيدة فرنسية وأصبح مواطنا فرنسيا وأدلى بصوته في الانتخابات، وتحرر من الطغيان الإيديولوجي الذي كان ينتظره لو قرر العودة إلى بلغاريا.
اختزال عبثي للأدب
بعد انهيار الكتلة الشيوعية عاد المؤلف مرة أخرى الى الاهتمام بموضوعات الأدب. لقد بدأ بالتفكير في الأعمال الأدبية نفسها حينما "تلاشت أسباب اهتمامه الحصري بالمادة اللفظية للنصوص".
في عام 2000م قدمت وزارة التربية الوطنية في فرنسا برامج الدراسة الثانوية وكان المؤلف في تلك الفترة مشاركاً في المجلس الوطني للبرامج.. فأبدى استياءه من التركيز الشديد على الأدوات والمناهج النقدية، والإهمال الملحوظ للموضوعات التي تعالجها النصوص الأدبية. فلم يعد ممكنا للطالب أن يمارس التفكير في الوضع الإنساني والفرد والمجتمع والحب والكراهية والفرح واليأس لم يعد هذا ممكناً ما دامت المدرسة لا تعلمهم عن ماذا تتحدث الأعمال الأدبية بل عن ماذا يتحدث النقاد!
في هذا الكتاب واصل المؤلف نقده للمناهج والبرامج المدرسية التي تركز على التفكير حول التاريخ الأدبي والأجناس الأدبية ومستويات الخطاب وتكوّن دلالة النصوص وخصوصيتها والاستدلال وتأثيرات كل خطاب على متلقيه.
إنه من غير اللازم – حسب المؤلف – أن تكون المناهج النقدية مادة أساسية للدراسة.. فالواجب هو التركيز على الأعمال الأدبية ذاتها مع مراعاة استخدام المناهج الحديثة. فالأدوات النقدية تظل أدوات ووسائل نهدف من خلالها إلى فهم ما يقوله النص وما يريده المؤلف.
مادية النص
يقول تودوروف بعد زوال ما أسماه بالأسباب الحصرية لمعالجة مادية النص دون محتواه: لقد عدتُ للقاء المؤلفين.. وفقدت الميل لمناهج التحليل الأدبي. فالتركيز على الجمال ذاته أو الفن ذاته يعد في نظره تأليهاً لهما. ولابد من الخروج إلى رحاب الحياة وفضاء الوجود.
وينبغي أن نذكر أن مفهوم الأدب عند تودوروف لا يقتصر على القصائد والروايات والقصص والأعمال الدرامية بل يتسع ليشمل السير الذاتية والمذكرات والمؤلفات التاريخية والشهادات والتأملات والنصوص الفلكلورية...إلخ. ورغم أن هذه الأعمال لا تشارك النصوص الأدبية في وضعية التخييل (أي أن اللغة فيها لا تشتغل على نفسها ولا تنحرف عن الاستعمال الاعتيادي لها من خلال المجاز والاستعارة والكناية ونحوها) إلا أنها تجعل القارئ يكتشف أبعاداً مجهولة في العالم.. تبهره وتحثه على التفكير.
وهكذا رأينا أن المؤلف قد التجأ إلى المناهج الشكلانية واللسانية وحصر اهتمامه فيها ليس إهمالا منه للموضوعات التي يعالجها العمل الفني والأدبي، بل لأسباب سياسية وإيديولوجية انقضى بانقضائها هذا التقسيم الحاد للأدب؛ الأدبِ الذي لم يكن يوماً – كما يقول– مجرد متعة وتلهية محجوزة للأشخاص المتعلمين، وإنما هو عالم جمالي متصل بالحياة يتيح لكل واحد أن يستجيب لقدره في الوجود كإنسان.
يشار الى ان الكتاب ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، وصدر عن دار توبقال للنشر 2007م.