من الحياة
الأخوة والمؤاخاة
د. ميسرة طاهر
منذ أربعين عاما بالضبط وفي العدد 262 من مجلة الثورة الافريقية كتب مالك بن نبي المفكر الجزائري قصة مهندس ينحدر من نسل الأمير عبد القادر الجزائري، والمكان الذي رويت فيه القصة منزل المهندس والزمان عيد الفطر المبارك والحضور أسرة المهندس التي ضمت والده ووالدته وبعضا من أطفاله، كان يتحدث عن واقعة شهدها في الحج ، فقد كان يطوف حول الكعبة ووقعت عيناه على ثلاثة أطفال تشير شعورهم المجعدة ولون بشرتهم إلى أنهم ينحدرون من القارة الأفريقية، مد يده إلى جيبه وأخرج بعضا من الحلوى وأعطاها لهم، وفي كل يوم كان يلتقي بهم يعطيهم بعض الحلوى، فنشأت بينهم صداقة ومودة، وبعد عدة أيام وجد نفسه وجها لوجه مع أبيهم الذي حرص على السلام عليه والتودد له وبادره بالقول: « أريد أن أصبح أخاك»، فرد الرجل: نحن أخوة في الإسلام، قال: بل أريد أن أصبح أخاك بحق، فسأله الرجل وكيف نصبح إخوة؟ فأخرج الحاج من ثياب إحرامه صرة بها نقود وقال:هذه نقودي... ضع ما معك من نقود فوقها ثم نتقاسمها مناصفة، يقول المهندس: فأطرقت وأنا غير مصدق ما أسمع وأقول في نفسي: هل هذه واحدة من طرق النصب والاحتيال؟ أم هو سلوك عفوي؟وأردف قائلا: أنا في ذلك اليوم كعادتي في معظم الأيام لا أحمل في محفظتي إلا ما يكفي للصدقات أدفعها للفقراء سواء من أجدهم في الطريق أو من أقابلهم في الحرم، كل هذا وأطفال الأفريقي الصغار ينقلون أبصارهم بيني وبينه، فلم أجد بدا من إخراج محفظتي ودفع ما بها من مال قليل له، أخذه وخلطه مع ماله الكثير ثم عاد فقسمه بالعدل بيننا، وأعطاني نصيبي ثم شدني إلى صدر قوي البنية شدة قوية وقال ببساطة: نحن الآن أخوة، ثم افترقنا وذهبت حيث أقيم ولكني لم أذق طعم النوم ليلتي تلك لأن ذلك الأفريقي بعد المؤاخاة التي حصلت بيننا قص علي قصته، فقد ترك موطنه في جنوب أفريقيا منذ أربع سنوات مع أطفاله وزوجته التي أنجبت له على الطريق طفلا كانت لا تزال ترضعه، وقد قطع المسافة من جنوب أفريقيا إلى بور سودان مشيا على الأقدام ليجد في ذلك الميناء من يقدم له يد العون ويسعفه بمكان على ظهر مركب صغير يحمل الحجاج إلى جدة، يقول المهندس: لم أستطع النوم تلك الليلة وأنا أقلب هذه القصة في رأسي، فلم يكن في محفظتي من المال إلا القليل مع أني أملك المال الكثير، فقررت في تلك الليلة أن أزيد نصيبي في تلك الأخوة التي اكتسبتها بالأمس والتي كان الحاج الأفريقي قد دفع ثمنها كاملا، قمت فوضعت الكثير من المال في مغلف، وفي اليوم التالي دفعت به للحاج الأفريقي وهو يطوف بالكعبة، أخذ الحاج الأفريقي المغلف مني على عجل ودسه تحت ملابسه، وحين انتهى من طوافه جاءني وقد فتح المغلف ومسك المال بأطراف أصابعه وكأنه يمسك قذارة نجسة، وأقبل علي وأوصاله ترتعد وشفته ازدادت ازرقاقا ووجهه قد التف بغبرة واختلط في صوته الغضب بالبكاء وبادرني قائلا: أنا لا آخذ ثمنا لأخوتي لأنني لا أبيعها، توقفت هنا ورفعت رأسي فقد شهقت دون أن أدري ومسحت دمعة وعدت لقراءة القصة من جديد ولشدة عجبي فقد كفكف الراوي ومالك دمعة أيضا، وتذكرت ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام بين الأنصار والمهاجرين ويبدو أن هذا الحاج الأفريقي لم يدرك المعنى الحقيقي للأخوة فقط بل تمثلها أيضا.
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548
تبدأ بالرمز 146 مسافة ثم الرسالة