قضية للنقاش
في غياب الرقابة على الأسواق ومكافحة الاحتكار
«تسونامي» الأسعار يلاحق البسطاء
ابراهيم القربي- جدة، خالد الشلاحي- المدينة المنورة، محمد العبدالله- الدمام، عبدالله اليوسف- بريدة، تصوير: محمد الزهراني
السؤال الذي تطرحه هذه القضية هو لماذا ارتفعت الاسعار، وهل ستستمر هذه الاسعار المرتفعة وخاصة للمواد الغذائية وما هي الاجراءات التي ينبغي اتخاذها للتخفيف من وقعها خاصة على اصحاب الدخل المحدود؟ وزير المالية ابراهيم العساف كان قد اشار في مؤتمر «يورو موني» بالرياض الى ان الارتفاع غير المسبوق في اسعار السلع الأساسية وبخاصة المواد الغذائية على مستوى العالم قد يؤدي الى حدوث أزمة عالمية ما لم يقم المجتمع الدولي بعمل جماعي لادارة هذه الأزمة ومعالجتها وتخفيف اثارها السلبية خاصة في الدول الفقيرة التي تعاني أصلا من مشاكل اقتصادية جمة.
العساف قال في سياق الحديث عن معالجة الأزمة ان معالجة ارتفاع اسعار المواد الغذائية تتطلب معالجة اسبابها المتمثلة في استخدام محاصيل غذائية لتصنيع الوقود الحيوي، والدعم الذي تقدمه الدول المتقدمة لمزارعيها مما حد وقلّل من قدرة مزارعي الدول النامية خاصة الفقيرة على النفاذ لأسواق الدول المتقدمة ومن ثم حد وعرقل من قدرات تنمية القطاع الزراعي خاصة في انتاج الغذاء.
مراقبة الأسعار
وحول موضوع الدعم الحكومي للسلع الأساسية اكد وزير المالية على الدور الرقابي على الأسواق من قبل وزارة التجارة، موضحا ان وزارة التجارة لديها من المسؤولية الوطنية مايجعل الاستفادة من الدعم الحكومي تصل للمواطنين، مشيرا في سياق ذلك الى اجراءات عديدة أقرها مجلس الوزراء بعضها له تأثير طويل المدى وبعضها قصير المدى لخفض الأسعار وخفض قيمة التضخم كانشاء شركات الاستثمار الخارجي ومراقبة الاسعار.
اتساع دائرة التضخم
ومن جانبه يشير استاذ الاقتصاد بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور مقبل صالح الذكير الى ان ارتفاع الاسعار طال معيشة أغلب الناس وان دائرة التضخم اتسعت لتنتقل من قطاع الى آخر حتى طالت كثيرا من السلع الأساسية ليزداد القلق الذي بدأ منذ انهيار سوق الأٍسهم قبل سنة ونصف مرورا بارتفاع أسعار مواد البناء والمساكن والايجارات والدواء ليتعداه مؤخرا ويشمل عددا من السلع التموينية والاستهلاكية كان آخرها ارتفاع الأرز بنسبة كبيرة بلغت 35%. واضاف في سياق ذلك، ان الناس لا تنتظر تبرير أسباب الزيادة سواء كانت بسبب زيادة السيولة في الاقتصاد المتولدة من ارتفاع الانفاق الحكومي أو بسبب ارتفاع التكاليف لدى المصدرين أو بسبب سعر صرف الريال مقابل الدولار أو غيره من الأسباب وانما يتوقعون ان يطمئنهم المسؤولون ويفصحوا عن الاجراءات والسياسات الاقتصادية التي ينوون اتخاذها لكبح جماح ارتفاع الاسعار، وامتصاص قدر من هذه التكاليف المتزايدة التي أضحت تثقل كاهل المواطنين وتمس صميم معيشتهم ضمن مساوئ عدم كبح جماح التضخم انه حلزوني متى ما بدأ انفلت على كل الجبهات ولذلك كان التنبيه منذ البداية الى ضرورة عدم الاستهانة بآثاره السلبية التي ستتسع مع مرور الوقت لتشمل كافة القطاعات.
ويقترح الدكتور الذكير في اطار مواجهة ارتفاع الاسعار، عقد لقاء عاجل يضم مسؤولين في القطاعات الاقتصادية لتحديد أسباب ارتفاع الأسعار ثم ينظرون للطرق الممكنة لمجابهة هذا المارد ويقيمون البدائل المختلفة حتى يختاروا اكثرها فائدة وأقلها ضررا للاقتصاد والعباد، ثم يحددون مسؤولية كل وزارة في تنفيذ السياسة الاقتصادية المتفق عليها ومن هذه السياسات الاقتصادية الممكنة:
- النظر في ضبط نمو الانفاق الحكومي الاستهلاكي والتركيز على الانفاق الاستثماري.
- تخفيض رسوم الخدمات المؤثرة على قدرة المواطنين من ذوي الدخل المحدود والمتوسط في المجتمع.
- ضبط السياسة النقدية عن طريق فرض مزيد من القيود على التوسع النقدي من أجل تقييد الانفاق الاستهلاكي الذي سيعمل بدوره على كبح جماح الطلب الكلي والتضخم.
- تبني سياسات من شأنها عرض السلع والخدمات وفك الاختناقات في بعض الأنشطة الاقتصادية كقطاع المقاولات وقطاع الاسكان والنقل الجوي الداخلي وقطاع الخدمات المصرفية ونحوها.
- كسر الاحتكارات بحسبان ذلك من أقوى سبل ضمان الاسعار العادلة فهناك من المراقبين من يرى ان هناك أسبابا داخلية لارتفاع الاسعار منها وجود تكتلات يقوم بها بعض تجار المواد الغذائية الذين يحتكرون بيع سلع معينة ويقومون برفع اسعارها.
- السماح بانشاء جمعيات أهلية للمستهلكين.
- نشر الوعي الاستهلاكي بين الناس ومساعدتهم على تغيير بعض عاداتهم الاستهلاكية وتوجيههم نحو السلع البديلة ذلك ان من شأن هذه الخطوة ان تولد ضغوطا سوقية على السلع التي ارتفعت أسعارها واعادة التوازن بين العرض والطلب خاصة ان الناس مقبلون على مناسبات متتالية ومصاريف صعبة مع دخول شهر رمضان وعيد الفطر وغيرها.
ارتفاع قياسي
ويشير عضو جمعية الاقتصاد السعودي عصام خليفة الى ان الرقم القياسي لتكاليف المعيشة في المملكة هو من أهم مؤشرات المستوى العام للاسعار حيث أظهر ارتفاعا خلال الشهور الماضية من العام الحالي نسبته 3.8% عما كان عليه في عامي 2005م و2006م وهو أعلى نسبة له منذ 11 عاما، ولا شك ان هذه الارتفاعات يتحمل تكاليفها المستهلكون بكافة فئاتهم مرجعا ارتفاع الاسعار الى أسباب داخلية واخرى خارجية منها ارتفاع اسعار البترول مما أدى لارتفاع تكلفة السلع المصنعة في الدول الصناعية المستهلكة للبترول، وبالتالي زادت هذه الدول أسعار هذه السلع لتغطية تكلفة الانتاج بأسعار أعلى مما كانت عليه وهذا ملاحظ في ارتفاع أسعار معظم السلع المستوردة من الدول الصناعية سواء كانت سلعا ضرورية أو كمالية فضلا على ذلك ارتباط سعر صرف الريال بالدولار الأمريكي وارتفاع سعر صرف اليورو والجنيه الاسترليني وانخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي مما أدى بدوره لارتفاع أسعار السلع المستوردة من أوروبا.
ومن الأسباب الداخلية -يضيف خليفة- غياب الدور الملموس من وزارة التجارة في حماية المستهلك لضعف امكانياتها المادية والبشرية حيث لا يخفى على أحد استغلال بعض التجار المحتكرين لبعض السلع لهذه الظاهرة بدليل ان اسعار معظم السلع اذا ارتفعت فانها تنخفض مرة أخرى حتى ولو انخفضت اسعار النفط في الوقت الذي يفترض فيه خفض الاسعار من قبل التجار ولكنهم يتحايلون بوضع مبررات غير مقنعة في كثير من الاوقات وفي المقابل فان الدخل الفردي ثابت، وهذا بدوره أدى لانخفاض القوة الشرائية للريال بما يقارب 30% وفقا لاحصائيات وزارة التجارة والصناعة ومؤشرات المستوى المعيشي وهذا سيؤدي الى مشاكل اقتصادية واجتماعية على المدى البعيد منها على سبيل المثال حدوث خلل في توزيع الدخل بين أفراد المجتمع نتيجة استفادة بعض الافراد كالتجار مثلا من ارتفاع الاسعار وتضرر المستهلكين أي ان الغني سيزداد غنى والفقير سيزداد فقرا.
كبح التضخم
ومن جانبها تشير الدكتورة أميرة علي اليماني عضو جمعية الاقتصاد السعودي الى جملة من الحلول لعلاج المشكلة منها:
- وضع استراتيجية وقائية بعيدة المدى تساهم في كبح جماع التضخم.
- زيادة المعروض والسلع الاساسية بالاسواق.
- عقد ندوة تجمع مسؤولين في وزارة التجارة والتجار (جملة وقطاعي) والمستهلكين لتشخيص المْشكلة ووضع الحلول لها.
- نشر ثقافة الوعي الاستهلاكي عند الأسرة السعودية وتشجيعهم على اختيار السلع البديلة.
- مواجهة جشع التجار.
اعادة حساب الأسرة
محمد ملفي المالكي محلل اقتصادي قال في هذا الصدد ان على الأسر ان تعيد حساباتها لتواكب ارتفاع الاسعار والتخلي عن النمط القديم الذي كانت تتمسك به مثل تغيير اصناف الارز والحليب وتقليص مصروفات الاتصال والكهرباء وايجاد جمعيات تعاونية مع تفعيل دور الجهات الرقابية وتدخل مؤسسة النقد في الحد من القروض البنكية التي كان لها أثر واضح في زيادة التضخم.
وطالب الأمين العام للغرفة التجارية الصناعية بالمنطقة الشرقية عدنان النعيم برفع الوعي لدى المستهلك وان يقوم القطاع الخاص بدور مهم في مجال صناعة السلع الاستهلاكية والدخول في مشروعات تكاملية وليست تنافسية لتحقيق رفاهية المواطن وضخ أسواق جديدة لتوفير السلع والخدمات مع اعفاءات وامتيازات للصناعات الاستهلاكية.
تعزيز الأمن الغذائي
وكان مجلس الوزراء قد وافق على ترتيبات طويلة وقصيرة المدى تتعلق بتوفير السلع والمواد التموينية وضبط أسعارها في السوق المحلية من بينها ما يلي:
- التأكيد على تطبيق الآليات الصادر بشأنها قرار مجلس الوزراء رقم (11) وتاريخ 19/1/1429هـ ومتابعة تنفيذها وذلك لتخفيف العبء الذي يتحمله المواطن جراء الارتفاع الكبير في أسعار المواد التموينية والسلع والمنتجات الزراعية والحيوانية.
- على وزارة الزراعة ووزارة التجارة والصناعة إعداد دراسة متكاملة لتحديد احتياجات المملكة المستقبلية من المنتجات الغذائية التموينية بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي للمملكة.
أولا:ترتيبات على المدى القصير:
- على وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة والإعلام ووزارة التجارة والصناعة القيام برفع مستوى الوعي والثقافة الاستهلاكية بما يحقق ترشيد الاستهلاك لدى المواطنين والمقيمين.
- على وزارة التجارة والصناعة التنسيق مع الجهات المعنية لبحث تخصيص أراض لإنشاء مستودعات عن طريق القطاع الخاص لخزن المواد الغذائية التموينية.
ثانياً : ترتيبات على المدى المتوسط والطويل:
- التأكيد على وزارة الزراعة ووزارة التجارة والصناعة بسرعة رفع نتائج إجراء المسح الشامل للدول التي تتوافر لديها إمكانات وفرص للاستثمار في القطاع الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية الصادر في شأنه الأمر السامي رقم (3341/ م ب) وتاريخ 18/ 4/ 1429هـ وإعداد تقرير شامل عن ذلك تمهيداً لعرضه على مجلس الوزراء خلال مدة لاتتجاوز (شهرين) من تاريخ نفاذ هذا القرار.
- على وزارة الزراعة ووزارة التجارة والصناعة إعداد دراسة متكاملة لتحديد احتياجات المملكة المستقبلية من المنتجات الغذائية التموينية وذلك من خلال تكليف متخصصين في القطاعين العام والخاص بدراسة موضوع توفير الأمن الغذائي للمملكة وبناء المخزون الاستراتيجي من المنتجات الغذائية التموينية ودعم البنية التحتية اللازمة لذلك ودراسة الخيارات المتاحة الأخرى . ومن ثم تعد الوزارتان تقريراً شاملاً ومفصلا عن ذلك يرفع إلى مجلس الوزراء خلال مدة لا تتجاوز (شهرين) من تاريخ نفاذ هذا القرار.
- على وزارة الخارجية إعداد صياغة نموذجية لاتفاقية إطارية في شأن الاستثمارات السعودية الخارجية في المجالات الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية بحيث تضمن توفير الحوافز والضمانات اللازمة لتلك الاستثمارات ورفعها إلى مجلس الوزراء لاستكمال الإجراءات النظامية اللازمة وذلك خلال مدة لا تتجاوز شهرين من تاريخ نفاذ هذا القرار.
- على وزارة المالية ووزارة الزراعــة ووزارة التجـــارة والصناعة إعداد الدراسات اللازمة المتعلقة بإنشاء شركة سعودية قابضة بين القطاعين العام والخاص للتطوير والتشغيل والاستثمار الزراعي والحيواني في الدول الأخرى ورفع هذه الدراسات إلى مجلس الوزراء لاستكمال الإجراءات النظامية اللازمة وذلك خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ نفاذ هذا القرار.
- التوسع في الاستثمارات السعودية المتعلقة بالمجالات الزراعية والثروة الحيوانية والسمكــية خارج المملــكة وعدم التركيز على دولة واحدة وتحفيز رجال الأعمال السعوديين على الاستثمار في تلك المجالات من خلال توفير التسهيلات الائتمانية والتمويل الميسر عن طريق المؤسســات التمويلية العامة وذلك بما يضمن توفير هذه المنتجات في المملكة بأسعار معقولة ويحقق الأمن الغذائي على المدى المتوسط والمدى الطويل.
- السعي لتمويل مشروعات البنية التحتية اللازمة في مناطق المواقع المخصصة للاستثمارات السعودية في المجال الزراعي والحيواني في الدول الأخرى وذلك من خلال الصندوق السعودي للتنمية أو المؤسسات التنموية الإقليمية والدولية.
- على وزارة المالية ووزارة الزراعة وضع آلية تنظم التعاقد مع الشركات السعودية المستثمرة في الدول الأخرى لشراء منتجاتها المرتبطة بالأمن الغذائي السعودي.
ثالثا : على وزارة المالية تقديم الدعم المالي اللازم لوزارة التجارة والصناعة بما يفي باحتياجاتها من الأجهزة والمعدات والقوى العاملة والتدريب وبما يضمن قيام الوزارة بالدور المنوط بها على الوجه المطلوب وبخاصة مراقبة الأسعار ومتابعة تنفيذ الأنظمة ذات العلاقة (نظام البيانات التجارية ، ونظام مكافحة الغش التجاري، ونظام المنافسة).