الفتى الأسمر الذي أصبح أسطورة الكرة السعودية (الحلقة الثالثة)
كلمة «الرمز» أعادت الهارب وبروشتش رعى انطلاقة «الرجل النبيل»
أنس الخميس - الرياض
مرت الأيام مرور القطار السريع الذي يلفت النظر إليه ولا يلتفت لأحد كائناً من كان ولم يتحدث من خلال تلك الأيام أي أحد عن ماجد، لأن النجم الصغير لا يزال في طور الإعداد ولم يزل المتنبئون ببزوغ نجمه يراقبونه دون تحريك سكون اللسان وذلك في عام ألفٍ وثلاثمائة وخمسةٍ وتسعين للهجرة. إلا أنه وبعد أن تم قيد اسم ماجد عبدالله في كشوفات نادي النصر لاعباً رسمياً في صفوف فريق الناشئين تحت سن ستة عشر عاماً في ذلك العام الأخير، أي قبل أربعة وثلاثين عاماً. وجد ماجد الرعاية والاهتمام ووجد أن هناك من يقوم على تنشئته الكروية ليكون قائماً على أساسٍ سليم، إذ رعت يدا مدرب النصر اليوغسلافي بروشتش في ذلك الوقت أسطورة الكرة السعودية حتى قِيل عن مُنمي موهبة ماجد بروشتش: «لن تنسى الجماهير الخليجية هذا الرجل اليوغسلافي الذي أبرز ماجد عبدالله بعد أن أبرز آخرين تربعوا على قمة الصدارة في عالم كرة القدم».
واليوغسلافي قبل أن يسمع ذلك الكلام الذي قيل عنه قال: «إن ماجد يلعب بروحٍ رياضيةٍ، ويُمثلُ الرجل النبيل في لعبه وحركاته مع اللاعبين والجماهير والحكام، ولو امتلأت الملاعب بخلق مثل هذا اللاعب لعمّ اللعب النظيف».
موهبة فذة
وهنا القصة تعود إلى أنه وبعد أن تمت إتاحة الفرصة لبروشتش لرؤية ماجد لم يُخف إعجابه لما رآه من موهبةٍ ونبوغٍ مكبر يمتلكها اللاعب الأسمر، الأمر الذي أجبره على تبني رعاية ماجد مبكراً لتنبُئه بما سيكون عليه اللاعب ذو الأخلاق الرفيعة، كما وصفه سالفاً.
وبالحديث عن ماجد نفسه؛ نجد أن الحلم قد تحقق بالنسبة له فلم لا وهو الذي كان يُمني نفسه باللعب لخدمة نادي النصر عشقه الأول والأخير وهو الذي كانت لا تغمض له عينٌ وهو يرى أباه يقوم على إعداد الأشبال فيرى بأن نفسه أن يكون واحداً منهم، والحلم هنا بعد أن تحقق بدأ ماجد بالتدريبات بروحٍ تغمرها الفرحة الشيء الذي حدا به لأن يثابر في مرحلته الدراسية المتوسطة التي أبى أن يؤثر حلمه الأول على محصلته الدراسية.
وعد الأمير
إلا أنه ومع مرور الأيام لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة له، فالبداية كانت صعبةً عليه بعض الشيء ذلك بعد أن تغيّر عليه النمط الروتيني الذي كان يعيش عليه في سنواته الأولى، حيث إنه كان يخرج في وقت فراغه مع زملائه في الحارة والمدرسة يشاركهم أفراحهم وأحزانهم في أجواء المباريات التنافسية، الأمر الذي وجد معه في أيامٍ عدة أنه لا مناص له من الخروج من النادي هارباً من التمارين والحصص التدريبية بإلحاحٍ يجيء من قبل زملائه الذين ظلوا يرفضون اللعب دون وجود القائد والهداف معهم.
ومع تكرار الأمر وفي ظل ملاحظة الأمير الراحل عبدالرحمن بن سعود - يرحمه الله - رئيس نادي النصر ومحتضن ماجد لتلك السلبية التي أخبره عنها المدرب اليوغسلافي بروشتش، حرص الأمير الراحل على محادثة ماجد يوماً بعد يوم، حيث الاهتمام المطلوب الذي شعر ماجد معه بالإحراج حتى قام بوعد الأمير بالالتزام وبحضور الحصص التدريبية بشكلٍ يومي وتام بعد مسلسل الهروب من التمارين اليومية. فكان يقول عنه الأمير الراحل عبدالرحمن بن سعود - يرحمه الله - بعد مرور السنوات: «ماجد عبد الله لاعب كبير له مكانته وتحرك واحد منه يكفي لتحقيق نتيجة مباراة، ماجد عملاق الكرة السعودية والآسيوية».
الفريق الأول
وهنا وفي هذا السياق نجد أنفسنا نتساءل عن السرّ الذي جعل مكتشف المواهب بروشتش والأمير الراحل عبدالرحمن بن سعود يقولان عن الفتى الأسمر ذلك الكلام الرّنان آنف الطرح. والإجابة تتمثل في أنه عاماً بعد عام بدأت مهارات ماجد التي يمتلكها بالنضوج في ظل رعاية بروشتش له، حيث تولى صقل موهبة الفتى الأسمر ملقناً إياه أساسيات كرة القدم التي يحتاجها في مركز الهجوم، إذ بدأ معه بعد أن لاحظ مهارته في إتقان ضربات الرأس بتوجيهه نحو الكيفية التي من خلالها يقتنص الكرة دون مضايقة أحدٍ، هارباً من عناصر الدفاعات، متجهاً بالكرة إلى الشباك، وراح معه اليوغسلافي يُكثف من تلك التوجيهات التي تنتهي بالتطبيق الفعلي على أرض الواقع حتى أبدع فأمتع ماجد ممرنه بعد أن برع في تطبيق وإجادة ذلك الأمر، وقاده بروشتش مع مرور الأيام إلى تعليمه لمهارات كرة القدم، وشيئاً فشيئاً، ونتيجةً لما وصل إليه النجم الصغير من مستوى باهر ولافت للأذهان قبل الأنظار، قرر منمي موهبة الفتى الأسمر نقله لصفوف الفريق الأول لكرة القدم ليتدرب مع من سبقوه بالسن والخبرة بالشيء الكثير دون إتاحة الفرصة له بالمشاركة في المباريات الرسمية، إذ إن الخبير اليوغسلافي كان هدفه أن يحتك ماجد بلاعبي الفريق الأول الذين يفوقون عنه في الجسم الشيء الكثير ليتحدى الاحتكاك، ذلك بعد أن عاش ماجد معه يوماً مع آخر حتى أظهر له موهبته الموهبة الأجمل في عالم الكرة السعودية.
معسكر خارجي
وتيقنت عينا اليوغسلافي أن الفتى الصغير بحاجة إلى التوجيه والإرشاد نحو الأسلوب الأمثل في الوصول إلى هز الشباك بأسلوبٍ فني وعالمي إلى أن اشتهر ماجد في ما بعد بضرباته الرأسية حيث ارتفاعه الشاهق الذي لم تصل له أعناق ورؤوس عناصر الدفاعات، يقتنص الكرة وينقض عليها فيودعها في الشباك بأسلوبٍ هادئ وراقٍ لتنتشله أيادي الزملاء ترفعه إلى الأعلى فوق الرؤوس وكأنه علم النصر.
فبعد أن رأى الخبير اليوغسلافي ماجد في ذلك المشهد العجيب في عام ألفٍ وثلاثمائةٍ وستةٍ وتسعين قرر نقله لصفوف الفريق الأول لكرة القدم الذي كان يستعد حينها لخوض غمار الدوري الممتاز الأول من نوعه آنذاك، إذ إن الفريق كان بصدد التوجه لإقامة معسكرٍ تدريبي في المملكة المتحدة بمقاطعة ويلز ليكون أول معسكرٍ رسمي يدخله ماجد يحتك من خلاله بلاعبي الفريق الأول الذين يفوقونه في العمر لسنواتٍ عدة، وذلك الأمر هو المطلوب وهو أن يحتك بماجد بمن هم يفوقونه في السن والفكر والجسم أيضاً حتى يعتاد على ذلك الأمر ليتم تقديمه على طبقٍ من ذهب لعشاق معشوقة الملايين.
وبينما الفريق في إطار استعداداته للدوري تقرر أن يخوض مباراة ودية مع أحد الفرق الإنجليزية، وسنحت الفرصة حينها لماجد بالمشاركة في المباراة وبالفعل لعب ماجد فأبدع وأمتع وسجل هدفاً من أصل أربعة أهداف ليخرج فريقه فائزاً بذلك الرقم الثقيل دون رد، والفرحة حينها لم تسع ماجد كونه خاض مباراة قوية بالرغم من أنه خرج على إثرها مصاباً ومتأثراً بتلك الإصابة التي كادت أن تعيقه عن مشواره الكروي والتي اكتفت بإعاقته فقط عن مشاركة الفريق فيما تبقى من المعسكر التدريبي حيث بقي ماجد حاضراً بذهنه دون أن يحتك مع زملائه بجسمه وقدميه
عودة للركض
ولتحفيز ماجد على العودة السريعة، قام المدرب بوعد ماجد بإتاحة الفرصة له مرة أخرى وثالثة إذا ما ثابر على تمارين اللياقة بالإضافة إلى مثابرته على الاستجابة السريعة للعلاج الطبيعي ليعود الفتى الأسمر للركض مجدداً، فالمدرب كان يرى فيه السهم الملتهب أمام الشباك الذي يعرف هدفه فلا يخطئ طريق الوصول إليه.
وبالفعل ثابر ماجد على العودة للركض مجدداً خصوصاً أنه وجد العناية الطبية والنفسية من قبل الجميع إثر انقضاء المعسكر التدريبي الذي قضى معه ماجد فترة العلاج فأتاح له المدرب الفرصة للمرة الثانية بالمشاركة في مباراة ودية أخرى ذلك بعد أن تعافى ماجد من الإصابة كلياً فكان ظهور ماجد الأول لجماهير نادي النصر أمام فريق الفتح الرباطي المغربي في الرابع والعشرين من الشهر الأول لعام ألفٍ وثلاثمائةٍ وسبعةٍ وتسعين للهجرة في أواخر شوط المباراة الثاني، الأمر الذي أزعج ماجد فظهر بسببه مرتبكاً فلم يلحظ أحد نجمه الساطع ولم يستطع أن يلفت الأنظار إليه الشيء الذي ترك حيزاً للتساؤلات التي جالت في ذهن النجم الصغير باحثةً عن إجابة ظل ماجد معها يراجع نفسه ويبحث عن الأخطاء التي وقع فيها في تلك المباراة ليتفاداها في المرة المقبلة.
في الحلقة القادمة لنا حكاية متجددة مع الفتى الأسمر الذي نضج فكره الكروي سريعاً حتى أبهر الجميع.