أوراق ثقافية
ذاكرة شوقي بدري
أمير تاج السر
كلما قرأت نصا للأديب شوقي بدري، أحسست بالنشوة.. النشوة من كونه نصا استثنائيا وعامرا بجميع أطايب الحكي التي ربما لا يعرفها الكثيرون، ومن تلك المعلومات الغزيرة التي يمنحها مجانا على الورق. شوقي بدري، أو الأخ الأكبر كما يحب أن ينادى، يعتبر الآن شيخا لكتاب الحكاية في السودان، رجل يقيم في بلاد الغرب منذ سنوات طويلة، لكن ذهنه ما يزال (أمدرمانيا) خالصا، في ذلك الذهن تسكن الشوارع القديمة والحارات بغبارها وتوابلها، يسكن الناس بجميع أعراقهم وقبائلهم، وما يستطيعون منحه أو لا يستطيعون، تسكن الأحداث التي وقعت والتي كان يمكن أن تقع، والتي لن تقع أبدا، وفي بساطة شديدة وبلغة هي نفسها لغة ذلك العالم البعيد، يمسك بيدك، يقودك إلى بيت في حارة ضيقة، لتأكل طبقا من طبيخ شعبي لعله العصيدة أو الكسرة.. يقودك إلى ساحات الموالد والذكر، إلى عراك الصبية على قطعة من رغيف يابس، وصياح الجارات حين يبحثن عن ملح أو سكر.. إلى مجالس الرجال على الطرق في تلك (الدكك) الطينية، أو الكراسي المنتوفة الحبال، وربما طاف بك في السوق لتشتري قماشا من تاجر قبطي، أو كيسا من التمباك وارد مدينة (الفاشر) في الغرب أو نعالا من جلد النمر والأصلة.
هذا الحكاء لا يمكن عنونته أو تصنيفه كاتبا قصصيا أو روائيا، لا يمكن وصفه شاعرا، ولكن خليطا من دم القصاصين والروائيين والشعراء ومؤرخي العصور حين يكتبونها لنا، وكلما قرأت حكاية من تلك الحكايات الخليط، تصورتها طازجة تحدث أمامي وظللت مستمتعا بها لفترة، لكن الرجل ما يلبث أن يأتي بغيرها مضيفا مزيدا من المتعة.
تلك الحكايات الثرية أزعم أنها لم تأت من فراغ، ولكن من موهبة كبيرة ومن حرص على صيانة تلك الموهبة ومدها بالوقود الذي ينشطها.. وكم من حكايات وأساطير يعايشها المرء لكنه لا يتذكرها، فقط أولئك الموهوبون من يستطيعون نقشها لتبقى على مر الزمن، وإذا كانت أمدرمان القديمة هي محور حكايات شوقي بدري، برغم ابتعاده الطويل عنها، فلا شك إنه يستطيع إذا أراد أن يكتب لنا أوروبا التي دخلها منذ زمن وتغيرت أثناء وجوده فيها.
أخيرا اشعر بشيء من الأسى تجاه عدم الاهتمام بأمثال هؤلاء المبدعين، هم في الحقيقة يكتبون للمتعة الشخصية، أو الرغبة الجامحة في ايصال أفكارهم، لكن في كتابتهم ثراء غير معقول وهم جديرون بالاحتفاء.