أفــيــاء
معرض الفيصل
أسعدني أن أكون بين زوار المعرض المقام في المتحف الوطني في المربع في مدينة الرياض، عن تاريخ الملك فيصل رحمه الله، والذي افتتح للسيدات مساء السبت الماضي.
اتسم المعرض بالجاذبية والأناقة وجمال الإخراج، لكنه قبل هذا، اتسم بالثراء في المعلومات والصور التاريخية، فكان المعرض ينطق بحقائق عن تاريخ المملكة يجهلها كثيرون، حقائق موضحة بأسلوب موجز ومركز وبسيط، تثري معرفة المشاهد وتغنيها، إلا أنه بدا مركزاً اهتمامه على السياسة الخارجية، ولم يعط للسياسة الداخلية ما تستحقه من الاهتمام والإبراز، فلم يبرز المعرض جهود الملك الفيصل في إحداث نقلة جوهرية في حياة النساء، نتيجة اهتمامه بتعليم المرأة ودعم مكانتها في المجتمع، ولم يبرز حركة ازدهار التعليم عامة ونشاط البعثات التعليمية الخارجية التي كان لها أكبر أثر في دفع عجلة التطور العلمي والثقافي في المجتمع، أو غير ذلك من صور الإصلاح الاجتماعي، مما لا تكتمل الصورة لعهد الفيصل إلا بإبرازه.
بالنسبة لي، سيطر عليّ وأنا أتجول في المعرض أكثر ما سيطر، التفكير في نمط التربية الذي تلقاه الفيصل وأثر ذلك في تكوين شخصيته وصقل مواهبه، كنت مأخوذة بالأسلوب التربوي الذي نهجه الملك عبدالعزيز رحمه الله في التعامل مع ذلك الحدث في سنه الغضة! في سن الثانية عشرة زج به إلى حياة المعارك وخوض ميادين القتال، وفي الثالثة عشرة دفعه إلى عالم التفاوض السياسي، فأنابه عنه في تهنئة ملك بريطانيا في إحدى المناسبات وفي التفاوض حول بعض الأوضاع السياسية، ثم في السادسة عشرة حمّله مسؤولية قيادة حملة عسكرية ضخمة.
كنت في داخلي أقارن بين هذا النموذج التربوي والنموذج الذي نربي عليه أبناءنا في أيامنا هذه، وكيف أنا نجتهد في أن نحيط الصغار والمراهقين بالخوف عليهم، فنبالغ في حمايتهم ونبادر إلى القيام بكثير من المهام بدلاً عنهم، فنتركهم بذلك فاقدي الثقة بقدراتهم الخاصة، مكفوفي اليد بعيدين عن التعرض للخبرات والتعلم من التجارب. لقد ظللت أقارن بين هذا المراهق الصغير وهو موضوع في مواجهة المهام الجسام في تلك السن الغضة، والشخصيات المعتادة لكثير ممن هم في مثل سنه، فكان يعتريني سؤال حائر، هل كان بإمكان هذا المراهق الصغير أن يحتمل عبء تلك المسؤوليات الجسام، ويصمد أمام ثقل تلك المواقف الخطيرة، لو أنه لم يكن قد تلقى مسبقاً تربية صارمة، خالية من الدعة، زاخرة بما يدعم الثقة في النفس ويغرس الشعور بالاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات الآنية والتصرف السريع في المواقف الفجائية؟
ترى لو أن الفيصل نشأ في بيئة غير تلك البيئة هل سيكون له من الشأن ما كان؟ ومع ذلك، فإننا لا نستطيع الجزم إن كان السر في نموذج التربية الذي تلقاه وتم تعهده به، أو في الموروثات الفطرية الكامنة في ذاته؟ فأثر الموروثات الفطرية الكامنة في داخل الذات لا يمكن تجاهله، بدليل ما نراه أحياناً من تفاوت في الشخصيات رغم تشابه البيئة التربوية التي نشأ فيها أصحابها، ذاك أن التربية مهما جادت، لا يمكن أن تخلق من الخامل شخصاً مذكوراً، ولا يمكن أن تجعل من الغبي ذكياً أو من الأحمق حكيماً، فالتربية ليست أكثر من رعاية وتنمية لما هو موجود من البذور الفطرية في الذات البشرية، والمصادفات وحدها، هي التي تقود تلك البذور إلى قدرها، إما أن تجد بيئة صالحة ترعاها وتنميها، فتزهر وتطرح ثمارها الناضجة الشهية، وإما أن تجد العكس فتنكمش ويعتريها الذبول.
بقي أن أوجه التهنئة إلى مؤسسة الملك فيصل الخيرية ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وللأيدي الكثيرة التي أسهمت في الإعداد لهذا المعرض البديع، على ما بذل من جهد مميز وعمل موفق.
فاكس 4555382
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة