موسيقى لغير البشر
أدرت راديو السيارة في طريقي إلى البيت قبل موعد نشرة الأخبار من إذاعة لندن (القسم العربي) كعادتي فإذا بي أسمع عزفا منفردا على العود «لنصير شما» في مقاطع جديدة على مسمعي، كان عزفه على العود هدنة مؤقتة من صخب الغناء الراقص الذي أصبح يحاصرنا في كل مكان، كان ما يعزفه عذباً ندياً يتدفق كشلال هادئ يفتت صخور الكآبة والإحباط، كان يستخرج بدقات أصابعه على العود مخزون النشوة والمتعة ويحرك بداخلي الشجن.. «نصير شما» لمن لا يعرفه؛ فنان من طراز فريد وعملاق من أرض الفرات، تعلم العزف هناك «عندما كان الفرات نقياً لا يخيب صنارة صياد» وغادر تلك الأرض مع العراقيين الذين تفرقوا شتاتاً فاراً من «دكتاتور كان يحاسب حتى العازف على رنة عوده» وذلك على إثر حادثة احتجازه في السجن «كما يقول موقعه على الإنترنت» ولمدة 170 يوماً والحكم عليه بالموت دون محاكمة حتى اليوم المخصص لتنفيذ الحكم حتى استجابت الحكومة لمطالبات المنظمات العالمية بالإفراج عنه، إدراكاً منها أن تنفيذ الإعدام سيخلق للحكومة مشاكل لاسيما أن القرار لا يستند إلى محاكمة قانونية. ونصير شما يحتل حالياً منصب مدير بيت العود العربي في القاهرة ومنُذ عام 1990م وهو مخترع العود ذي الأوتار الثمانية بدلاً من الأوتار الستة .. على كلٍ انتهى العزف المبث من إذاعة لندن كفرحة قديمة وبدأت بعد ذلك الهديل الساحر وتلك الوجبة الموسيقية الفاخرة من الفن الجميل في البحث عن الـ«سي.دي.» الذي قال المذيع إن «نصير شما» أطلق عليه «أرض السواد»، أحياناً العثور على لحن مميز متعة تعادل متعة السماع نفسها.. حملت لذة العزف الدافئ والمخلوط بحزن نادر وتوجهت إلى مكان تعودت ان أشتري منه ما أشاء من الفن غير الملوث «لأفاجأ بأن هذا المكان أصيب هو الآخر بالتلوث».. فحالما وضعت قدمي داخل المكان استقبلني صوت زاعق مستفز يغني خارج الميزان الموسيقي يشدو «بحبه لحمار» في وسط ذلك الصراخ العالي الذي قد يصيبك بالصمم، سألت البائع عن «سي.دي» نصير شما، كنت كمن يبحث عن موقع لقدمه في طريق دامس، قال لي البائع بتهكم: من هو نصير شما، قلت له بذهول: ألا تعرف نصير شما، أجابني: لا!! قلت له -وغيظ يعتريني-: لكن يبدو لي «إنك تعرف حبيبة الحمير جيداً»، قال لي: يا أخي هذه أغنية «بحبك ياحمار للفنان سعد الصغير» قد لا تعجبك لكن كل واحد حر في أن يحب ما يشاء!! ويستمع لمن يشاء ويختار بعد ذلك ما يشاء، قلت له: أنا معك ويبدو أنك تدفعني بقولك هذا أن أقترح عليك أن تقوم أنت أيضاً بالغناء!! واغتنمت فرصة اندهاش البائع للانعتاق إلى الشارع تاركاً إياه يرفس منتشياً بحب الصغير للحمار.. تمنيت ساعتها وأنا افتح باب عربتي لو كنت أملك موهبة شعرية لهجوت البائع والصغير والحمار وإليـ.....!!
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 134 مسافة ثم الرسالة